لماذا نتمثل بالغرب ونثق به؟

على مدى عقود، انخرطت في الاطلاع على الأدب والثقافة والفكر الغربي، وأعجبت بمنجزه، برغم امتعاضي من مَركزة الغرب لنفسه وتأليهه لذاته، وتحويل كل ما ينتجه، حتى لو كان ساذجا وسطحيا، إلى ظاهرة يلهث خلفها أبناء جنوب العالم، فيصبح المطبخ الغربي بمواصفاته الضحلة، الأكثر انتشارا في شوارع مدننا وبلداننا، وتصبح أزياء الغرب وأنماط سلوكه وطرائق تفكيره، الأكثر رواجا عند أجيال هذا الجنوب الذي لم يمسح بعد دماء جراحه من غرب وحشي استعمره لقرون، وما يزال يهمين عليه بفكره وأدبياته و”حضارته”.

اضافة اعلان


لم يكن يتسنى لي ولجيلي ربما التوقف طويلا أمام أسئلة الحضارة، وتشكلاتها، وأخذنا بالغرب باعتباره نموذجا استثنائيا للتحضر، فقد كنا منهمكين في همومنا المعيشية والوجودية، وكان الغرب يسير بالموازاة مع تطلعاتنا، يمنحنا الكثير من الفرص للاقتداء بها، من دون تمحيص لما يتسرب من قتامته المبهرة وزيفه الجميل واستعماريته التي نسيناها، ولم ندرك أن ما نحن فيه ليس انجذابا ولا وعيا باللحظة الغربية المتفوقة، بل هو انقياد خلف إملاءاتها، وانسراق مسطح لفهمنا لمنظومتها الفكرية.


لقد سحقتنا الحالة التي عشناها خلال قرون من الغرق في مجابهة الاستعمار وضبط أحولنا، ووصلنا إلى نتائج لم تقيض لنا البحث عن مسار جديد، يخلع أبواب السجون التي زجتنا فيها هذه الحالة، لنستنشق هواء النهوض والنأي بأنفسنا عن تقمص الغرب وتمثله.

 

وفي كل مرة حاولنا فيها الخروج من القمقم، كنا نجابه بحرب، بأزمة اقتصادية، بتقسيم لأشلائنا، بتمزيق لأرواحنا، بضربة مؤلمة لثقافتنا، بتشويه لحضارتنا، باستصغار لكل ما نحمله من قيم وأفكار، وأمام ذلك، لم نستطع تخليق فكرة تعتقنا من قيود العبودية في معابد الغرب الاستعماري، وهيمنته شبه المطلقة على مقدراتنا، وتحكمه في بوابات جغرافيتنا، وإمساكه بمسارات حريتنا.

 

لم نجترح معجزتنا في أن نكون نحن، ولم نستطع تخليق لحظتنا التي تمتد بثرائها الحضاري والإنساني أبعد مما يتيحه لنا الـ”ريموت كونترول” الغربي، حتى في محاولاتنا الشاقة للتغيير، كان مذهبنا يستند على فكرة التغيير الغربية، وشهادتنا بفعاليتها تستند على تاريخها في الغرب، فلم نستطع إنجاز شيء له خصوصية بنا.


واليوم، تبدو اللحظة مناسبة، للانخراط في مشروع يذهب إلى إعادة إنتاجنا، وبلورة تصورنا عن ذاتنا، بعيدا عن أي منغصات يضعها الغرب في طريقنا. فأمام شيخوخة هذا الغرب، وانكشاف زيفه وكذبه في علاقاته معنا، يتوجب علينا إعادة النظر في علاقتنا معه، كخطوة أولى لبلورة رؤيتنا لمستقبل هذه العلاقة، التي لم تكن في أساسها تمتلك أي توازن.


قد تبدو مراجعة فهمنا للحضارة الغربية شاقة على كثيرين منا، بخاصة لأولئك الذين يغرقون في انبهارهم بها، لكن من المفيد أن نرى إلى أي مدى استفدنا من هذا الانبهار؟ وقد رأينا في حرب الاحتلال الوحشية على غزة، مؤديات انبهارنا تلك بالغرب، فهذه الحرب، ليست حربا للعدو الصهيوني حسب، إنها حرب الغرب علينا، فبسرعة الضوء كانت بوارجه وطائراته ومرتزقته في مقدمة الجيش الصهيوني لارتكاب محرقة بحق شعبنا هناك، وصل عدد شهدائها ومصابيها ومفقوديها في 48 يوما لأكثر من 50 ألفا، وأسقط فيها 35 ألف طن من القذائف على القطاع الذي لا تزيد مساحته على 364 كلم2، قذائف أنتجها الغرب وقدمها لوتده الاستعماري في المنطقة العربية؟


أو ليس هذا مدعاة لأن نتوقف- على الأقل- عن تصديق النظريات الغربية عن الحقوق والحريات التي يتبجحون بأنهم سدنتها، بعدما حرموا فلسطين التي تحترق منها؟

 

للمزيد من مقالات الكاتب انقر هنا