لماذا يصدقونهم ويكذبون الحكومة؟!

ظل العقل العربي الرسمي يتعامل مع الشعوب العربية باعتبارها "ناقصة عقل وتقدير"، فدأب على تحديد احتياجاتهم الخاصة، وجرعاتهم التي يحددها لهم من الديمقراطية والحُرية، وأن يقرر لهم شكل حياتهم الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، وفي الإعلام على وجه الخصوص ظل العقل العربي الرسمي يحدد بمقص الرقيب أو بسلطة النص القانوني ــ والذي غالباً ما يكون غير دستوري- ماذا عليهم أن يعرفوا وماذا عليهم أن لا يعرفوا، وما يصدقوا وما يكذبوا، وقد نجحت الحكومات العربية -أو هكذا تخيلت- في قولبة الذهن الجمعي للشعوب العربية، وقدرتهم على تقدير الأمور والحكم عليها، حتى جاء الإنترنت وانقلب السِحر على الساحر، وخرج الأمر عن السيطرة، وصارت المعلومات والأخبار في متناول المواطن العادي قبل المتخصص أو الخبير وخاصة الممنوعة منها - وكل ممنوع مرغوب-. وهنا تجلى للمواطن حجم ما لا يعرف، وحجم الوقائع التي سترت عنه أو جُملت له، إخفاء للحقيقة أو لبعضها، وبهذا تشكلت له حالة من عدم الثقة والتوجس من كل ما يأتي به العقل الرسمي، وعليه فإن الشعوب العربية الآن تتلقى جل ما يأتي من الحكومات بشك وريبة حتى قبل أن تمحصها أو تدقق فيها، ولهذا فإن حالة عدم الثقة ليست من لدُنِ المواطن بل هي نتيجة ترتبت عن غياب الشفافية والديمقراطية والمشاركة في الحكم. بعد الإنترنت انتشرت وسائل التواصل الاجتماعي، فالأرقام تقول إن ما يقارب نصف سُكان الأرض مجتمعون على صفحات التواصل الاجتماعي، ومحلياً هناك خمسة ملايين صفحة فيسبوك أردنية بما يمثل 70 % من عدد سكان الأردن تقريبا، وهناك أيضاً حوالي أربعمائة ألف أردني على "تويتر"، وكأن وسائل التواصل الاجتماعي عادت بالناس إلى أيام الديمقراطية المباشرة حيث يجتمعون في فضاء لكنه افتراضيٌ في حالتنا، يناقشون فيه الأمور ويصوتون عليها ويتناقلون أخبار المدينة دون معقب. عصفت وسائل التواصل الاجتماعي بالطرق التقليدية للإعلام الرسمي كافة؛ فانهارت صحف الحكومات، وتهاوى تفرد التلفزيون الرسمي، ليس هذا وحسب بل أنه وبفعل التكنولوجيا امتلك كل مواطن ودون ترخيص من أحد منبراً يعبر منه عن رأيه ويتناقل الأخبار ويتداولها بسرعة مذهلة وبالطريقة التي يريد، فيستطيع المواطن الأردني الآن من بيته دون استدعاء ودون طوابع أو واسطة أن يضع على طاولة رئيس الوزراء أي خبر أو أمرٍ يريد، لا بل ويستطيع أن يناقش الرئيس في القرارات التي تصدر عن مجلسه. وسائل التواصل الاجتماعي وجدت لتبقى، وان أي محاولة لتحجيمها أو تكميمها هي محاولة بائسة وفاشلة سلفا، لكن الموضوعية تقتضي القول؛ أن وسائل التواصل الاجتماعي تعج بالخبيث من الأفكار والفاسد من المعلومات والمُلفق من الأخبار، وإنها - كجميع أمور الدنيا- قابلة للاستغلال من حاقد أو مغرضٍ. ومواجهة سوء استخدام وسائل التواصل الاجتماعي يقع في أغلبه على عاتق الحكومات وفعلها الضروري الأهم بهذا الصدد هي أن تتبنى وتعترف بوسائل التواصل الإجتماعي بإعتبارها منابر شعبية، وأن تقول لهذه المنابر قصتها بشفافية، وتتحدث لها عن إنجازاتها بوضوح، وأن تعترف بأخطائها وتسعى لتصحيحها، وأن تملأ فراغ الإشاعة بلغة الحقيقة والواقع، مستخدمة في كل ذلك نفس آلية وسائل التواصل الاجتماعي، فلم تعد وسائل الحكومات وخطابها التقليدي جاذباً للناس وخاصة الشباب. على عكس ما هو شائع فإن للناس حسا معقولا للتمييز بين الإشاعة على الرغم من أن الواقع الحالي يميل الى تصديق أي إشاعة عن المسؤولين والحكومات بسبب عمق فجوة الثقة تاريخياً، الأمر الذي يوجب على الحكومات أن تردمها بمزيد من الشفافية والمهنية وسرعة الخبر وحسن العمل، فإن بقي بعد ذلك ــ وسيبقى ــ من يستقوي ويعتدي على أعراض الناس وسمعتهم ممن يسيئون استخدام وسائل التواصل الاجتماعي وينشرون الإشاعة ويهددون المصالح العليا للدولة والمجتمع يكون هنا التطبيق العادل والحازم للقانون بشكل سريع الإجراءات بائن النتائج وسيلة للردع، وبذلك جميعه تتعزز ثقة العموم ويصبح المواطن قادراً على تمييز الصالح من الطالح في المحتوى ونخمد الشرارة في مهدها، هناك مثل انجليزي يمكن ترجمته بالقول: إن لم تستطع هزيمتهم انضم إليهم، فاهم علي جنابك!اضافة اعلان