ماذا يعني أن تكون أردنيا؟

ماذا يعني أن تكون أردنيا؟ من أكثر الأسئلة مشروعية ووجودية في آن واحد في الوقت الحالي. سؤال لم نعتد طرحه كثيرا أو الحديث عنه ابتداء، بحكم أن الأخلاق لا تتحدث عن ذاتها فذاك الأمر الطبيعي الفطري المفترض أن يكون، ولأن من اعتاد الإباء ونقاء السريرة أيضا قد لا يتوقف مليا ليجيب عن سؤال كهذا؛ فالمروءة سيدة الأخلاق وتاجها لا تبحث عن تفسيرات لما تصنعه أو تقوم به.

اضافة اعلان


ماذا يعني أن تكون أردنيا؟ ببساطة مطلقة وتلقائية مفرطة وبعبارات لم يتم التفكير بها مليا قبل أن تجد لها طريقا تعني أنه «محدش بعملها غير الأردنية».

 

تعني أن تكون من الشجاعة بمكان لتكسر الحصار وأن تبحث عن حلول لا تنتهي لتقف وتساند وتدعم اخوتك أمام وحشية القرن، تعني أن لا تنام وجارك جائع ما استطعت إلى ذلك سبيلا، يعني أن ترفع ذراعيك تضرعا للحق سبحانه وتعالى أن يرفع الظلم والطغيان عن اشقاء لنا وفي الوقت ذاته أن لا تترك وسيلة أو سبيلا يوصلك لهم وبهم ومن أجلهم. يعني أن تبذر الأمل مهما بدا متواضعا أمام حجم المأساة، أن تطرق الباب واذا لم يفتح أن تشرع نوافذا في عتمة الليل تصل بها ومن خلالها الى قلوب الأطفال والأمهات والرجال لتكون هذا السراج الذي تقتدي به من تعد في مفهوم المادة والمعدن كبار الدول وسادتها.


انزالات أردنية إنسانية امتدت فوق سماء غزة ينبغي التوقف أمام دلالاتها مليا؛ فهذه الإنزالات إضافة إلى كونها سبيلا لإيصال المساعدات لأهلنا في قطاع غزة، إلا أن مضامينها تتعدى ذلك كثيرا فهي تتم في ظل إبادة جماعية إحدى وسائلها الرئيسة وضع الأفراد في ظروف إنسانية تؤدي بهم إلى الهلاك بما في ذلك منع أو عرقلة إيصال المساعدات، ولأن الأردن يعي هذه الابعاد جميعا اتخذ قرارا جريئا بأن يتوجه عبر سماء غزة لتقديم المساعدات اللازمة كما سبق وفعل فيما يتعلق بإمداد المستشفى الميداني الأردني بمواد طبية في خضم العدوان، إلا أنّ هذه العمليات أوسع نطاقا وتنطوي على مخاطر عدة لن يجرؤ على المبادرة والقيام بها سوى الأردني.


الإنزالات الأردنية كانت المبادرة والباب الذي وضع الدول أمام مسؤولياتها، فاقتدت بالأردن وحاولت أن تنضم لهذا الركب ولولا قرار أردني شجاع باقتحام السماء وصولا لأهالي القطاع لما اتخذت دول عدة خطوة مماثلة، وهو الأمر الذي يذكرنا مجددا بخطاب الملك عبدالله الثاني في قمة القاهرة الذي غير من الخطاب العالمي تجاه ما يحدث في قطاع غزة ولولا كلمة حق قيلت وقتها ولولا عبارات وضعت العالم أمام ازدواجيته ومعاييره المبعثرة لبقي الكيان المحتل يتصدر المشهد بروايته الشهيرة بالدفاع عن النفس.


في مقال سابق نشر في الغد الأردنية بعنوان «الهوية الإنسانية الأردنية»، اشرتُ خلاله إلى أنّه وبالرغم من الألم الذي نمر به جميعا، إلا أنّ الجيل الصاعد يتعرف على هويته الأردنية من جديد، فالهوية لها أبعاد عديدة لا نجدها عند شعوب عديدة، فالجذور الإنسانية المتأصلة والحضارة التي تبنى في عمق الإنسان والأخلاق التي تنشأ عليها الدول هي المحرك في التعاطي مع الأحداث من حولنا.. أدركنا مع هذا العدوان انه يمكن لدولة مثل الأردن أن تقف في وجه آلة الحرب بإنسانيتها ورسائلها الى العالم. هذه الازمة وما كشفته عن الأردن وعمقه الإنساني والأخلاقي يتوجب أن يكون بوصلة لإعادة تعريف الهوية الأردنية الإنسانية وتدريسها وزرعها في نفوس الجيل القادم، فالأردن بعمق هويته ضمير إنساني حي.


اليوم ووفاء للأردن هذه دعوة مرة أخرى لتعميق مفهوم الهوية الأردنية الإنسانية في مناهجنا الدراسية وإبرازها محليا واقليميا ودوليا؛ فبناء مفهوم الإنسان والإنسانية هي أعظم ما يمكن أن تقوم به الدول لدى شعوبها.

 

للمزيد من مقالات الكاتبة انقر هنا