ما بعد غزة

قبل مائة عام تقريبا، أجهز جيش الانتداب الفرنسي على أول ملكية دستورية عربية؛ المملكة العربية السورية، التي ضمت بلاد الشام المعروفة حاليا بـ «سورية والأردن ولبنان وفلسطين»، وسرقت فرنسا بتواطؤ مع بريطانيا ديمقراطية العرب الأولى، السابقة بثلاثين عاما لديمقراطية الكيان الصهيوني المزعومة. وفي المملكة الدستورية هذه، والتي دامت اثنين وعشرين شهرا وضع المؤتمر السوري العام «برلمان المملكة»، أول دستور عربي مدني ديمقراطي، كرس مفهوم المواطنة كأساس للعلاقة بين الدولة والشعب الذي هو مصدر السلطات.

اضافة اعلان


هذه المملكة الدستورية كانت نتاج نضال مثقفين عرب من كافة التوجهات الفكرية القومية المستنيرة والإسلامية والليبرالية، وقد بدأ هذا النضال مع بداية القرن العشرين في جمعيات سرية؛ «الجمعية القحطانية، والعهد، والأشهر العربية الفتاة»، أسسها طلاب في مقتبل عمرهم؛ كانوا يدرسون في إسطنبول وباريس، نضال واضح الهدف بوصلته قومية إنسانية، يعمل على نهضة الأمة العربية وجعلها أمة حية؛ والأمة الحية بمفهومهم، هي أمة مستقلة، تحمل مشروعاً قومياً مستنيرا ديمقراطياً، يجمع مواطنيه من كل الأعراق والديانات بروح الاستقلال الكامل والاكتفاء الذاتي.


غزة أعادت لنا مفهوم الأمة الحية التي حملها ثوار العالم العربي الأوائل، وأعادت للشعوب العربية بوصلتها السياسية، التي تشير إلى أن الاحتلال الصهيوني هو لبّ الصراع في المنطقة، وهو العنوان الأوضح  للاستعمار، ولكنه ليس الاستعمار الكولونيالي الوحيد للمنطقة وثرواتها، فقد كشف لنا خذلان معظم الأنظمة العربية لغزة كيف أن الأقطار العربية مرهونة اقتصاديا وسياسيا وثقافيا لأميركا والغرب، وأن لا انعتاق ولا تحرير لفلسطين دون تكامل عربي يحرر الأقطار العربية من هذا الرهن لمستعمريها القدم الجدد.


غزة كشفت لنا ضرورة التحرر من الانخداع لأكاذيب الأنظمة المستعمرة التي تتمكيج بمساحيق الحرية ونصرة الديمقراطية وحقوق الإنسان، تلك المساحيق التي ذابت في حرب غزة، كاشفة الوجه الحقيقي للأنظمة الغربية وأميركا كراعية للاستعمار الإحلالي والكولونيالي المباشر وغير المباشر!


غزة أحيت جيلا جديدا من الشباب، جيلا بعيدا عن هزائم العرب وتورطات الأنظمة العربية، جيلا يكتشف الآن ثقافته ولغته وحضارته، ويوطن نفسه على  مقاومة الاحتلال والاستعمار بكافة أشكاله، جيلا يتقن لغة الخطاب العالمي، ويتفاعل بحضارية عالية مع كل الشعوب الأوروبية والأميركية والشرقية ومنهم اليهود المناصرون للقضية الفلسطينية، الذين وقفوا مع الشعب الفلسطيني وحقه في مقاومته للاستعمار والغطرسة والقوة والنجاسة السياسية التي تقوم على مفاهيم تفوق عرقي وحربي واقتصادي! 


غزة أرسلت رسالة قوية للأنظمة العربية المستأجرة بشكل أو بآخر، وهي أن من مأمنه يؤتى الحذر، وأن الراكن لجدار علاقته مع الأنظمة الاستعمارية ضعيف، وأن أميركا والغرب لن يرف لهما جفن في التضحية بأي نظام عربي مرتبط معه عند أول منعطف تتعارض فيه مصالحه مع وجود ذلك النظام، وأن الأنظمة الحقيقية هي التي تدعمها شعوبها، والتي تسعى للاستقلال الاقتصادي والسياسي.


غزة فضحت معايير أميركا والأنظمة الغربية المزدوجة، وعرّت تشدقها الكاذب بحقوق الإنسان، لكنها أعلت خطاباً عربياً أصيلاً يتمسك بالحرية وحقوق الإنسان وحق الشعوب في تقرير المصير، باعتبار ذلك قيما إنسانية؛ وبالتالي عربية أصيلة، والبحث جار بمصداقية عالية على تبيئة مفاهيم الحرية وحقوق الإنسان تبيئة عربية، ودماء أهل غزة ونضالاتهم ترفع هذه القيم، وتدفع ثمنها غاليا لتصبح عنواناً للمنطقة العربية والإنسان العربي!

 

أمام الدماء والتضحيات التي تقدمها غزة لم يعد تحرير فلسطين كافيا، إن الوفاء لدماء غزة وشهدائها، يتطلب استرجاع مشروع الأمة الحية الحضاري، أمّة تعمل لوحدة دولة عربية ديمقراطية معاصرة تقوم على المواطنة، وتشمل كل مواطنيها بأعراقهم ودياناتهم مهما تعددت، تكرس التكامل العربي، وحقوق الإنسان والاستقلال الاقتصادي والسياسي والثقافي والاجتماعي، هذا مشروع غزة للوطن العربي، والشباب ماضية به، ويظل على الأنظمة العربية المتخاذلة إنقاذا لنفسها وعودة عن ارتباطاتها مع المستعمرين، أن تعمل الآن، وأن تشب عن وهنها- وهي قادرة إن أرادت- لوقف الحرب على غزة، وإلا فإن حسابها سيكون عسيرا، فتحوا عيونكم جنابكم فتحوا!

 

للمزيد من مقالات الكاتب انقر هنا