ما تريده واشنطن من الرياض

ماهر أبو طير يجن جنون الإدارة الأميركية من موقف المملكة العربية السعودية، في أوبيك بلاس، بعد أن تقرر خفض إنتاج النفط بمليوني برميل يوميا، وهو قرار لم تتخذه السعودية وحدها بل مع عدة دول، داخل أوبك بلاس، ولاعتبارات اقتصادية، تتعلق بمنع هبوط أسعار النفط. الرئيس الأميركي وكل النخبة الأميركية في واشنطن، تهدد وتعتبر أن هذا الخفض يدعم موقف الروس في الحرب، هذا على الرغم من تأكيدات السعوديين أن الخفض جاء لأسباب اقتصادية تتعلق بالحفاظ على مستوى واردات النفط لدول أوبك بلاس، وعدم السماح بخفض السعر، خصوصا، مع المخاوف من الركود والتضخم، وما يتعلق بشح المعروض من النفط في الأسواق. الولايات المتحدة تريد توظيف النفط السعودي كوسيلة سياسية للتخفيف من أثر العقوبات على الروس، والسعوديون يقولون إن قرار خفض الإنتاج دوافعه اقتصادية، وليست سياسية، وربما الرياض هنا تتجنب أيضا نتائج هذه المغامرة الأميركية غير المدروسة في العالم، فتحافظ على مصالحها أولا، ومصالح اقتصادها وهذا حق من حقوقها، مثل بقية دول العالم. المفارقة هنا أن واشنطن الغاضبة، لا تقدم المثل الأعلى في سياساتها، فهي التي رفعت أسعار الغاز المورد منها لأوروبا إلى أربعة أضعاف السعر الأصلي، واستغلت أزمة الحرب، وانخفاض تدفق الغاز الروسي، ولم ترحم اقتصادات أوروبا، ولا شعوبها، فلا يحق لها هنا أن تطالب السعوديين بزيادة مبيعات النفط، للتخفيف من أثر العقوبات على روسيا، وبالتالي سوف تتضرر السعودية من انخفاض سعر النفط في هذه الحالة، بما يضر ميزانيتها، وهو أمر تفترضه واشنطن من الرياض ولا تفعله واشنطن، وكان الأولى أن تفعله هي أولا، بدلا من مطالبة غيرها به بشكل أناني. لماذا لا تضحي واشنطن بأموالها هنا، بدلا من مطالبة السعوديين، بذلك، ولماذا يحق لها، ما لا يحق لغيرها، وسط الصراع الروسي الأوكراني، وهل يحق للأميركيين الاستفادة ماليا من هذه الأزمة ورفع أسعار الغاز أربع مرات، فيما يكون مطالبا من السعوديين وأعضاء أوبيك بلاس، التنازل على أموال النفط ووارداتهم، إذا زادوا الإنتاج، من أجل تهدئة الأسواق. هذه عقدة الدولة العظمى لدى الأميركيين، أي الرغبة بالتحكم بكل شيء، لكن الخرائط السياسية – الاقتصادية في العالم اليوم تتعرض إلى تغيرات، يتجنب الأميركيون الاستسلام لها، لكنها تعد جزءا من الواقع الذي نراه هذه الأيام، ولا بد أن يقال هنا إن واشنطن التي تحارب الروس، تضع الأوروبيين أيضا، مجرد حطب في هذا الحريق، وقد تكون غاياتها غير المعلنة تحجيم الأوروبيين أيضا مع الروس، فيما أوكرانيا مجرد فخ يتم إيقاع الكل وسط نيرانه الحارقة. اللافت للانتباه اللعبة الأميركية المعتادة، أي ابتزاز دول المنطقة، بوسائل مختلفة، تارة عبر ترك الإيرانيين ليهددوا المنطقة، وتارة عبر مفاوضتهم سرا وعلنا، وتارة عبر التلويح بفرض عقوبات تحت مسميات مختلفة، وتارة عبر فتح ملفات قديمة مثل تفجيرات أبراج نيويورك، وهذا يعبر عن سياسة ابتزاز واضحة لدول المنطقة، التي ترقب أيضا التغيرات الجارفة في الخريطة، وتدرك أن واشنطن لم تعد واشنطن الأولى، وتتخلى عن المنطقة في ملفات كثيرة، وتتعمد أيضا ترك دول المنطقة للابتزاز الإقليمي، من أجل أن تحصد هي كل الصفقات، على مستوى النفط والتسليح. نحن أمام وضع حساس، ولا يمكن للسعودية أن تتحالف مع إيران في أوبيك بلاس، وهذا يؤكد أن القرار السعودي، جاء اقتصاديا، وليس سياسيا، كما أنه لا يعقل أن تدخل واشنطن بمعارك مع كل دول العالم، من روسيا إلى الصين مرورا بإيران، ودول منطقة الخليج العربي، فهذا يعبر عن العقدة التي أشرت إليها، لكننا اليوم أمام إعادة خلط للأوراق، وقد لا تصح حسابات واشنطن بشكل دقيق، مع إدراك دول المنطقة اليوم، لكل التغييرات الجارية على قدم وساق في العالم. لتخفض الولايات المتحدة أسعار الغاز على الأوروبيين، أولا على مشارف الشتاء، وعندها قد تقلدها الرياض، لاعتبارات إنسانية، على حساب السياسة والاقتصاد. لكنها بالتأكيد لن تفعل. المقال السابق للكاتب  للمزيد من مقالات الكاتب انقر هنااضافة اعلان