متى تفهمين أيتها الحكومات الأردنية؟

ظلت الحكومات الأردنية المتعاقبة غافلة عن هذا اليوم الذي تضاعف فيه سكان الأردن عدة مرات، وغدا فيه الاقتصاد عاجزاً تماماً عن تأدية وظائفه، بخاصة في الإنتاج الذي يلبي حاجاتهم الأولية والثانوية، ويوفر فرص العمل الكافية للأيدي العاملة والعقول العامرة، المتواترة، فالقاعدة تقول: كلما زاد عدد السكان نقصت حصة الفرد من الناتج الإجمالي إذا لم يتساوق مع أو يتجاوز الزيادة السكانية. إنه "الصراع" بين المتوالية الهندسية السكانية والمتوالية الحسابية الإنتاجية. ظلت الحكومات الأردنية تتصرف كحكومات في دولة ريعية أبوية يأتيها الرزق من هنا وهناك، فلم تفكر أو تخطط إستراتيجياً لمثل هذا اليوم العبوس القمطرير، ما جعل البطالة المقنعة أشد وطأة من البطالة الفعلية. وفي أثناء ذلك ولطفرة أو لنمو حضري في ثمانينيات القرن الماضي ظنت الحكومات أن الدنيا ستبقى شمساً وربيعاً حتى للعمالة (الوافدة) المتدفقة عليها لخدمة مواطنيها وهم قاعدون. وهكذا اكتسبت هذه العمالة جميع المهارات الأولية في هرم العمالة، وفي الأثناء تخلّى الأردنيون عنها بالتدريج، واتجه المجتمع نحو تشغيل العمالة الوافدة لأنها أقل كلفة وأكثر مطواعية، وأحفظ للأسرار... كان الأمر في بداية مراحله الأولى مقبولاً بل مرحباً به. غير أنه عندما بلغ النمو السكاني المزدوج محلياً وسياسياً ذروته، أطلت البطالة برأسها، ثم بجسمها كله، وتحولت إلى أزمة مستعصية على الحل، فلا الحكومات قادرة أو مستعدة لإعادة العمالة الوافدة بالكامل إلى بلادها لتوفير فرص العمل للعاطلين عن العمل من المواطنين، ولا العاطلون عن العمل مستعدون للحلول فوراً محلها. وهكذا تصير الحكومة الأخيرة التي ورثت ذلك، أعظم حيرةً من فارس تحت القتام، لا يستطيع الانتصار ولا يطيق الانكسار. لماذا؟ لأنها تتحدى العاطلين عن العمل – معظمهم خريجو كليات وجامعات - بالحلول محل العمالة الوافدة التي تضيق عليها بالبيروقراطية الشديدة والرسوم المرتفعة لدرجة رفعها رسم الفحص الطبي الأولي البسيط من ثلاثين ديناراً إلى خمسة وثمانين، ولكنهم لا يحلّون. صارت تدعوهم إلى كسر ثقافة العيب التي تمنعهم من النزول عن رأس الشجرة إلى الأرض ولكنهم لا ينزلون، فقد باع ذووهم الأرض أو استدانوا "وحرموا أنفسهم" للإنفاق على تعليمهم العالي، ليحصلوا على وظائف أعلى طبقة في هرم العمل، وليس في أسفله. هكذا علمتهم الدولة. صار الخريج يجوع ولا يأكل بيديه. كما أنهم لو اضطروا - بالجوع الفتاك - إلى النزول فإنهم لا يملكون المهارات اللازمة المفقودة للأعمال التي تقوم بها العمالة الوافدة في الأفران، أو صالونات الحلاقة، أو في حراسة العمارات، أو في أعمال السوق المركزي، أو في الزراعة التي تحولت من فلاحة إلى صناعة يديرها رجال أعمال، جعلت نسبة العاملين فيها في أميركا -على سبيل المثال- نحو 2 % من الطاقة العاملة. إنهم بحاجة إلى تدريب وتأهيل ليملكوها، وليملكوها فإنهم بحاجة إلى التلمذة على أيدي العمالة الوافدة غير المستعدة للقيام بذلك. وعليه يجب أن تكف الحكومات عن التضييق "الشديد" على العمالة الوافدة، لأنها لو تغادر مجتمعة لتوقف مجمل النشاط الاقتصادي عن العمل. كما يجب أن تكف عن دعوة الخريجين العاطلين عن العمل ليحلوا محلها، لأنهم لن يفعلوا كي لا يتماثلوا معها في المكانة، وقد رأينا ذلك يحدث عندما كانت بعض الأسر تسمح لبناتها بالعمل كخادمات عند أسر أخرى ولكنها الآن لا تفعل وإن كانت جائعة كيلا تتماثل مع الخادمة الأجنبية. فأحد رؤساء الوزراء السابقين الذي كان يتباهى أنه كان يغسل بالساعة الصحون في الجامعة في أميركا عندما كان طالباً لم يكن ليفعل ذلك لو كان يدرس في الأردن في تلك الأيام. ومع هذا فقد صار كثير من الطلبة والعاطلين عن العمل في الأردن مستعدين للعمل بالساعة في أي مجال. بانتظار وظائف دائمة، إنه يقبل العمل في الخارج في اي حرفة أو مهنة. حيث لا يراه أقرباؤه أو أهل بلده، وهو بذلك يبدو (عن بعد) عصامياً في نظرهم ما دام يحول إليهم الفلوس كالعمالة الوافدة في نظر أهلها. لقد دهشت في أثناء زيارة للولايات المتحدة عندما دخلت مطعماً في واشنطن يملكه مغربي، ويعمل عنده "جرسون" أردني من إحدى العائلات المعروفة في البلاد ولكن هذا الشخص غير مستعد للقيام بذلك في بلده وإنْ جاع. ولكنه مستعد للعمل بالساعة فيها فوراً. وعليه فإن أردنياً لن يقبل العمل حارساً أو خادماً مطيعاً معقود اللسان في عمارة يسكن في أسفلها. ان إخراج هذه الشريحة-مثلاً – من العمالة الوافدة سيؤدي إلى نتائج وخيمة في كل عمارة. نحن – إذن- أمام معضلة، فما الحل؟ إنه ليس سهلاً ولكنه ممكن. ومن ذلك تشغيل العمالة العاطلة بالساعة في الأمانة والبلديات. وكذلك إدخال الاقتصاد الجديد أو الرقمي أو الثورة الصناعية الرابعة التي تحدث عنها المهندس مثنى الغرايبة – وزير الاقتصاد الرقمي والريادة. إن التحول الاقتصادي نحو الثورة الصناعية الرابعة ملح جداً، وهو ملهم للخريجين العاطلين عن العمل كما تحدث عنه الوزير في "الغد" في 5 نيسان (ابريل) الماضي، فالعمل فيه يقوم على الإبداع والاختراع والاكتشاف و "التعافس" الدولي (التعاون والتنافس)، حيث فرص العمل متاحة عالمياً لمن يقدر، ولكن النظام التعليمي في الأردن عقيم فلم يعد قوى بشرية تنتج مثل هذه المهارات والصفات. وبما ان معظم الوزراء والأمناء والعاملين في الكليات والجامعات... خريجو هذا النظام، فإنهم لا يستطيعون ابتكار حلول مبدعة حسب رؤية المهندس مثنى، فعندئذ وبعدئذ ليست المشكلة في جملة العمالة الوافدة التي تبقى لازمة للقيام بمتطلبات المدماك الأول من هرم العمل، التي لن تنافسهم مستقبلاً في تلبية متطلبات الثورة الرابعة، التي تحتاج إلى عمالة اقل – للأسف- بالذكاء الاصطناعي. وإلى أن نبني هذا الجسر فإنه يمكن جر رجل الخريجين وتشغيل العاطلين عن العمل... بالعمل بالساعة. *************** يا معشر الوزراء يا ملح البلد، ما يصلح الملح إذا الملح فسد؟اضافة اعلان