مكرم الطراونة يكتب: أخي الشهيد.. رسالتك وصلت

مكرم أحمد الطراونة
مكرم أحمد الطراونة

 في بلدة المزار الجنوبي بالكرك، حمل نعشه الملفوف بالعلمين؛ الأردني والفلسطيني، عدد من رفاقه في النضال، وذويه، الذين أنزلوه قبره وهو لم يتجاوز بعد 18 عاما من العمر. سنوات قليلة عاشها في هذه الدنيا، لكن حمل فيها إيمانا راسخا ومطلقا بقضية فلسطين وحتمية تحرير الأرض.اضافة اعلان
بعد وفاته بسنوات طويلة توفيت والدته (أمي) في نيسان الماضي، وقد عاشت حياتها على وقع ألم فقدان بكرها، الذي رغم رحيله لا يزال يعيش بيننا.
كان اسمه أكرم، حرف واحد بين اسمه واسمي، بيد أن الفرق كان أكبر في التضحية من أجل قضية حق مضى عليها أكثر من 75 عاما، فهو أرادها نضالا وجهادا واستشهادا، بينما جاء جيلي على وقع انكسارات كثيرة، واتفاقيات سلام، وضعف البنية الثقافية العربية التي لم تعد تؤمن بالنضال، وربما الخوف من تكرار تجربة الموت. لكن كل ذلك لم يمنع من أن تكون بوصلتي وأخي الكبير أكرم رحمه الله واحدة تجاه تحرير الأراضي الفلسطينية من المحتل الغاصب.
لم يسبق لي أن أشرت لأخي الأكبر من قبل، لا في مقال، ولا حتى في أحاديث جانبية، ففخري به وبما قدمه له خصوصيته في مخيلتي، فهو كان وما يزال بمثابة الماء الذي يسقي بذرة إيماني المطلق بزوال الاحتلال، عاجلا أو آجلا.
لكن تناولي للموضوع اليوم له سببان؛ الأول، أن ثمة رسالة مهمة على العالم الغربي التعامل معها بشكل جاد، مفادها أن فلسطين لن تترك وحيدة، ولن يدافع عنها فقط من يحمل جنسيتها، فهي متجذرة في كل بيت أردني وعربي ومسلم، وأن آلة الإعلام الغربية لن تنجح في مساعيها لكسب تأييدنا لدولة الاحتلال، وتشكيل ضغط على الشعوب المناضلة المؤمنة بحق الفلسطينيين في تأسيس دولتهم والعيش بحرية واستقرار. وهذه الرسالة التقطها جيدا وزير الخارجية الأميركي الذي سمع رأيا عربيا واحدا من جميع الزعماء العرب الذين التقاهم، ومن خلفهم شعوبهم.
أما السبب الثاني، فهي رسالة أوجهها للساعين إلى ركوب موجة التصعيد في قطاع غزة، ويدعون للتوجه يوم الجمعة إلى الحدود بهدف تحرير فلسطين، بأن هذا الأمر لعب على العواطف، ليس أكثر، وأنه ما من دولة في العالم تسمح بمثل هذا الخرق الخطير. نحن في الأردن أكثر شعب، بعد الفسطينيين، ضحى بدمه لأجل هذه القضية الشريفة العادلة، ودماء أبائنا وأجدادنا ما تزال هناك فوق هضبات وسهول الأرض المباركة، ولا يمكن لأي أحد أو جهة المزاودة علينا. إن من يريد إيصال رسالته يتوجب عليه أن يعتمد طرقا لا تعود بالضرر على وطنه الذي عانى ويعاني من تحديات إقليمية دفع ثمنا كبيرا لها، بمواقفه المتمثلة بالدفاع عن القضية الفلسطينية والذود عنها في جميع المحافل، وصفقة ترامب المشؤومة "صفقة القرن" ليست بعيدة عن الذاكرة.
الزمان والمكان لا يسمحان بإرباك الأردن في حراك على الحدود مع العدو. وما يتحقق من منجز للدبلوماسية الأردنية التي يقودها جلالة الملك في الغرب، مهم جدا، فقد أفشلت مخططا لنكبة ثالثة خطط لها من خلال الدفع بتهجير قسري للغزيين إلى سيناء، ومن بعدها دفع أهل الضفة الغربية باتجاه الأردن. الأردن ومصر، وقبلهما الغزيون، كانتا خط المواجهة الأول لإفشال المخطط.
بالتأكيد، من حقنا كشعوب التعبير عن الرأي ومناصرة القضايا التي نؤمن بها، وهو حق مكفول بالدستور، وألزمتنا به الإنسانية ورابطة العروبة. لكن ينبغي أن نتأكد أننا لا نعرض بلدنا وأبنائه لخطر يولد ألما لا نقوى على تحمله، وأن نعي جيدا أن الأيام القادمة بشأن التصعيد في غزة قد تكون أكثر صعوبة، وهي بحاجة إلى تكافل وطني أكبر وأشد.