مم أخاف؟

مكرم أحمد الطراونة
مكرم أحمد الطراونة

كأردني ومتابع للأحداث، بحكم طبيعة العمل، فإنني أضع يدي على قلبي خوفا من تبعات حالة داخلية لا يمكن قبولها، ويتحمل الجميع مسؤولية تناميها في دولة هددت الأزمات وضعها الاقتصادي، وشكلت محاولات الاختراق الخارجية عبئا إضافيا عليها.

اضافة اعلان


على مدار سنوات، فشلت الدولة في مخاطبة الشارع والتعاطي معه ومع أزماته، ولم تنجح في إقامة جسور تواصل معه، بينما انتهج المسؤول سياسة فوقية زادت من الهوّة بين الطرفين، ليترك الأردني وحيدا، فريسة سهلة الاقتناص، وليبلغ بنا الحال استسهال كل أمر سلبي بحق هذا البلد، بل وتبنيه!


فساد العلاقة بين الطرفين، قاد إلى تعميمات غير صحيحة مبنية على نظريات المؤامرة، فتملكتنا قناعة مطلقة بأن كل المسؤولين فاسدون ولصوص، وأن الجميع يعمل لصالحه الخاص. حتى فكرتنا عن الدولة نفسها لم تنجُ من هذا السياق المشوّه، لذلك بتنا أكثر ميلا لتصديق أي إشاعة تستهدف تشويه أي جهد وطني صادق، وأقرب إلى طعن خاصرة الوطن من أن نلجأ إلى تحليل تلك الإشاعات وتبيان تناقضها وتهالكها.


تحدثت في مقالي قبل الأخير عن افتقارنا إلى من ينبري للدفاع عن الدولة في مواجهة الحرب الإعلامية التي يتعرض لها الأردن من جهات لم تعد مجهولة. وأستشهد اليوم بحادثة تثبت ما أشرت إليه، فعلاوة على غياب المدافعين، فإننا لا نملك رؤية وإستراتيجية لبناء قدراتنا الدفاعية والهجومية الشعبية على مواقع التواصل الاجتماعي، وفي الساحة الإعلامية بشكل عام.


الحادثة التي أود الإشارة إليها، هي الفيديو الذي تحدثت فيه فتاة من سكان غزة، وادعت خلاله أن المستشفى الميداني الأردني هناك لم يقدم لها علاجا لمرضها الذي تعاني منه، وأنه مغلق أمام المرضى في يوم الجمعة!


سأتناول هذه الحادثة من جانبين: الأول، انتشار المقطع بشكل واسع وسريع؛ محليا وخارجيا، وقد رصدت ردود فعل خارجية قاسية بحق الأردن، وإساءة لدوره، وهي ردود لا أكترث إليها، ولا أتوقف عندها، فقد اعتدنا على ذلك، وسنبقى نتعرض لهجمات لا نهاية لها، فنحن نعلم أن بلدنا مستهدف، وأن هناك دولا وجهات توظف الجهود والأموال لبناء سرديات كاذبة للنيل من سمعة البلد. وقد رأينا تلك السرديات بكثافة كبيرة خلال الأشهر الأخيرة.


الجانب الثاني يتمثل في ردود الفعل المحلية، صحيح أن الغالبية لم تصدق محتوى الفيديو، لكن نسبة قليلة فقط من النشطاء والمواطنين انبروا إلى تحليله وتفسيره، والرد عليه بصورة مدروسة، مدعومة بالأرقام. الأصوات المروجة للأكاذيب كانت هي الأعلى في هذه الحادثة، وهي التي فرضت سياقاتها على وسائل التواصل الاجتماعي. هذا هو الخطر الأكبر القادم على الأردن، خطر يتربص به من داخله.  


لماذا يستسهل البعض التشكيك في دولته؟ ولماذا فقدنا روح القتال للدفاع عن بلدنا، بينما مواطنو الدول الأخرى يمتلكون شجاعة مطلقة في دفاعاتهم عنها، ولا يتوانون عن قصف من يحاول الإساءة لها، وهل تدرك الدولة خطورة ما وصلنا إليه، وتجهد في وضع خطة لبدء المعالجة المجتمعية تنطلق من المدارس والجامعات؟


المجلس الاقتصادي والاجتماعي، قد يساعد في هذا المجال، وهنا أنا أتساءل عن أسباب إضعافه وعدم الاستعانة به لتحليل ما يجري، فأنا أثق بقدرته على تقديم قراءات وتوصيات ملائمة، ولا شك لدي بقدرة الدكتور موسى شتيوي بصفته رئيسا للمجلس على تزويد الدولة بكل ما تحتاجه بهذا الإطار.


مركز الدراسات الإستراتيجية في الجامعة الأردنية الذي تحول مؤخرا إلى مركز هزيل، يقدم دراسات لا ترتقي لحجم التحديات، ولا تتوافق مع أهدافه، مطالب هو الآخر بأن ينضم إلى جهد وطني حقيقي لتحليل الظواهر المهددة لبنيتنا ونسيجنا الاجتماعي وسياساتنا الوطنية. هذا المركز لم يعد موجودا إلا في حالات محددة فقط، وهي حالات موجهة تفتقر إلى العلمية والمنهجية.


اليوم، نحن نحدد واحدة من أخطر التحديات التي تواجهنا في الأردن، وعلى أصحاب العلاقة أن يحددوا الأسباب والحلول. من دون ذلك ستظل الظاهرة تزداد مع الوقت، وسيتعاظم خطرها كثيرا.

 

للمزيد من مقالات الكاتب انقر هنا