نصف عام من الحرب

سيأتي يوم نجلس فيه مع حقائق 7 أكتوبر، ندقق فيها ونسأل عنها الأسئلة الصعبة، ما جدوى العملية؟ هل هي مقصودة في جميع تفاصيلها أم هي ضرب من ضروب الصدفة، وما هو مغزى التوقيت؟ سنسأل- بترف من لم يعش حصارهم-، هل يجوز أن يأخذ فصيل مليوني مواطن للحرب دون استشارتهم؟!، ألم يكن من الحكمة إبقاء الوضع على حاله وترك «قنبلة التفوق السكاني»  تفعل فعلها؟!

اضافة اعلان


سنسأل- ببعض الإعجاب المخفي وبكثير من الغيرة  والتوجس من نجاح فصيل سياسي إسلامي-  كيف ومتى شقت الأنفاق؟ وهل تصل تحت عمق البحر أم تحت عمق سيناء؟ وكيف تفادوا المجسات والكاميرات و»الزنانات» التي ترصد تحركاتهم منذ عقود  تمهيدا لإبادتهم؟  كيف جمعت الصواريخ؟ وهل هناك فعلا تصنيع محلي؟! كيف غاب أقوى الجيوش وأكثرها عدة وتقنية في المنطقة عن المشهد  لحوالي ست ساعات، وكيف استطاعوا الحفاظ على سرية العملية وتجاوز كل أجهزة الاستخبار والتجسس بما فيهم العملاء المحليون؟ أم هل هو تواطؤ كما يهمس البعض، سنسأل ما هي طبيعة علاقتهم بإيران وبقية دول المنطقة وما هي الأجندة التي ينفذونها! وهل هم عرب فلسطينيون خُلص أم لهواهم هوى!


سيأتي يوم، نحاسب فيه من غلّبوا موقفهم من حماس وحلفائها، على نصرتهم للشعب المظلوم المحاصر، وسوف نقدر عاليا الذين تجاوزوا كل الاعتبارات السياسية والاقتصادية مع حماس وحلفائها ومع مصالحهم المباشرة، ليقفوا مع المدنيين الفلسطينيين ومع الحق الفلسطيني، وعلى رأس هؤلاء جلالة الملك عبدالله الثاني الذي ومنذ اليوم الاول أخذ موقفا دوليا «ثوريا» في نصرة القضية الفلسطينية ونصرة المدنيين العزل، حيث كرس خطابا دوليا تبعه فيه العالم، خطاب يؤكد ما غفلت عنه الكرة الأرضية لعقود متواصلة، من أن إسرائيل دولة مارقة محتلة، ومن حيث هي كذلك فإنها تقترف عدوانا، وليس دفاعا عن النفس، وأن الاحتلال هو أصل كل الشرور والحروب في المنطقة.


سنذكر مواقف الشعوب العربية والإسلامية والعالمية قاطبة- التي وإن أحبطتها مواقف قياداتها - لكنها نبضت بنصرة الشعب الفلسطيني، وقدمت ما استطاعت إليه سبيلا من نصرة مادية ومعنوية. سنذكر أهلنا في الخليج وخاصة في الكويت التي تناست جرحها القريب، وهبت نصرة لفلسطين. سنذكر أهلنا في المغرب العربي، وفي مصر العظمى بشعبها.


سنذكر بإجلال وإعجاب الشعب الأردني العظيم في قرى الأردن وبواديه قبل مدنه ومخيماته، الذي انتفض لنصرة الشعب المظلوم، نعم سنذكر الشعب الأردني الذي وكأنه بعد السابع من أكتوبر عقد مؤتمرا شعبيا وطنيا تلقائيا- متجاوزا بوعي عميق كثيرا ممن اعتبروا أنفسهم قادة للرأي-، وقرر وهو يقرأ بوصلة الأردن الموجهة تاريخيا لمقاومة الاحتلال، قرر وهو ينسجم مع قيادته ومع مصالح وطنه قرارات تجاوزت كل الإرهاصات الداخلية وكل المواقف السلبية للبعض تجاه الأردن، قرارات تجاوزت كل التعب الاقتصادي ليعلن أنه شعب واحد أردني متمسك بالأردن دستورا ونظاما وقيادة وهوية! وإن نصرته لفلسطين والحق الفلسطيني هو موقفه التاريخيّ الأصيل النبيل الذي لا رجعة عنه. 


سيأتي يوم نعقد فيه محاكم لأنفسنا نعتذر فيها عن تبعيتنا الثقافية والفكرية- بقصد أو بدونه للمشروع الغربي الاستعماري-، سنعترف بخطيئة التبعية والانقياد لوهم تنوير المستعمر، الذي فرق شعوبنا، ومنع وحدتنا وانقض على مقدراتنا.

 

سيأتي يوم نحاسب فيه كل من يستغل الدين والمقولات الدينية لإشعال الحروب والويلات والدين منهم براء، محترفي إنتاج الخلاف وشق الصف، محتكري الحقيقة واليقين الواهم، كارهي الحرية والعلم والتنوير. كما سنحتفي  قطعا بالشعوب الحية في كل من أوروبا وأميركا وجنوب أفريقيا وباقي دول العالم، كما سنحتفي قطعا بجيل يحتل اليوم الجامعات الأوروبية والأميركية احتجاجا ونصرة للحق الفلسطيني.


سيأتي يوم، وقد انبثق فجر جيل جديد قابض على بوصلة النضال من أجل الاستقلال الاقتصادي والسياسي والاجتماعي والثقافي لشعوب العالم العربي، جيل يحمل لواء الحريات الفردية والجماعية وعلى نهج سيادة القانون والدستور، جيل يستنبط مفاهيم الحرية وحقوق الإنسان من ثقافته وحضارته ومجتمعه، جيل يحمل لواء التنوير والانعتاق العربي دون عنصرية ولا انتقامية، جيل سيبدأ عصر تنوير في دول مدنية ديمقراطية حرة مستقلة.


سيأتي يوم نبكي فيه على أطفال غزة، أو ربما على هواننا ونضع باقة من ألمٍ وعزةٍ على أضرحتهم الجماعية؛ لنعلن انبثاق زمن جديد للوحدة والحرية والتنوع والعلم والعمل. وإن غدا صار أقرب مما تتصور جنابك.

 

للمزيد من مقالات الكاتب انقر هنا