نهاية الديمقراطية !

بعد انهيار الاتحاد السوفيتي في بداية تسعينيات القرن الماضي ، كتب المفكر الأميركي فوكوياما كتابه الشهير "نهاية التاريخ" الذي بشر به بانتصار الرأسمالية كنظام اقتصادي ، والديمقراطية الليبرالية كنظام سياسي.اضافة اعلان
الفكرة الرئيسية ، هي عولمة الرأسمالية ؛أي انتشارها عالمياً ، الذي سيواكبها أيضاً انتشار الديمقراطية في دول العالم الثالث ، لا سيما تلك الأنشطة السلطوية أو الديكتاتورية.
بالممارسة، توسعت الرأسمالية بشكل سريع مع انهيار البديل ، وباستثناء بعض الحالات كالصين وكوبا وكوريا الشمالية ،وتحولت أغلب الدول إلى النظام الرأسمالي اقتصادياً. ولكن وإن تحوّلت بعض الأنظمة من الناحية الشكلية ، إلا أن الديمقراطية لم تنتشر بالدرجة نفسها ، لا بل واجهت ممانعة كبيرة في العديد من الدول ، وفي ثقافات مختلفة.
الأهم من ذلك ، أننا نشهد اليوم تراجعا كبيرا بالأسس والمبادئ التي قامت عليها الرأسمالية والديمقراطية أيضا.
اقتصاديا، توسع النظام الرأسمالي ليطال أغلب بقع الأرض ، ولكن بدلا من أن ينتشر الثراء، ازدادت الفجوة بين الأغنياء والفقراء، وزاد تركز الثروة بأيدي فئة قليلة على المستوى العالمي. ولا يقل أهمية، وعلى صلة بالديمقراطية ، أن هذه القلة القليلة المتحكمة بالاقتصاد العالمي أصبحت أكبر قوة مؤثرة في السياسة العالمية وفي الديمقراطية نفسها، وأصبحت قوة ضاغطة على الدول ، وبخاصة التي بدأت بالتحوّل الى الديمقراطية بانتهاج سياسات اقتصادية تتماشى مع مصالح رأس المال، ولكنها لا تتماشى مع مصالح شعوبها ، فأصبحت الحكومات واقعة بين مطرقة الرأسمال وسندان شعوبها ، وأصبحت غير قادرة على تلبية طموحات شعوبها ، ما أدى الى انتشار العنف السياسي بأشكاله المختلفة ، وتراجع الديمقراطية بتلك الدول.
ولم يقتصر التأثير السلبي للعولمة الاقتصادية الرأسمالية سياسيا على الدول النامية فقط ، وإنما امتد أيضا ليطال الدول المتقدمة التي انتجت النظام الرأسمالي. وكما لاحظنا في السنوات الماضية، فإن النزعة المسيطرة على عدد من الدول الكبرى ، وبخاصة الولايات المتحدة ، هي ظهور السياسة الشعبوية التي تؤمن أقل بالديمقراطية ، وأكثر بالوطنية والمصالح الخاصة بتلك الدول.
وظاهرة ترامب وغيرها من التجارب الأوروبية ، تشير الى اتجاه الدول الديمقراطية الى السلطوية الداخلية ، مع تراجع الاهتمام بمبادئ الديمقراطية وحقوق الإنسان في سياساتها الخارجية ، وهيمنت المصالح الاقتصادية على السياسة الخارجية . وما نشهده من سياسات حمائية اقتصادية ، واللجوء للعقوبات الاقتصادية بديلاً عن المنافسة الاقتصادية الحرة التي من المفروض أن يقوم عليها النظام الرأسمالي خير دليل على ذلك.
تراجع الديمقراطية في الدول المتقدمة له انعكاسات كبيرة على بقية دول العالم ، وذلك لأن "المثل" الذي يجب أن يحتذى في تراجع ، وثانياً ، لأن الاهتمام بانتشار الديمقراطية من مثل تلك الدول أيضا في تراجع والنتيجة صعود مضاد للديمقراطية في أغلب دول العالم الثالث.
الصين تصنف كحالة فريدة ، فهي تتقدم اقتصاديا بدون ديمقراطية، ولو تحوّلت الى الديمقراطية الغربية، قد لا تكون حققت النتائج الاقتصادية التي حققتها في العقود الماضية.
إن تراجع الديمقراطية اليوم قد لا يعني نهايتها ، ولكنها قد تعني أن هناك حاجة للتفكير أو إعادة النظر بالمعادلة التي تحقق الديمقراطية والتنمية بالوقت نفسه ، لكن الشيء الأكيد انه لا توجد نماذج جاهزة يمكن استيرادها ، ولا بد للدول من أن تخترع نماذجها بالاسترشاد بالتجارب العالمية الناجحة.