هذا الهدر في زمن هذه البلاد

ماهر أبو طير أنت لا تفهم أبدا لماذا يراد للمؤسسات السياسية في الدولة أن تبقى هرمة ودون تحديث عميق، مع استمرار ذات الهياكل الشكلية التي نعرف كلنا أنها غير مؤثرة، ولا فاعلة. بعد أيام قليلة تبدأ حفلة العبدلي السنوية، التي اعتدنا عليها كل سنة، أي نقاشات النواب لموازنة العام الحالي، والكل يتورط بذات الحفلة، فالنواب يطلبون من الحكومة، طلبات بحاجة إلى عشرات المليارات لتنفيذها، وهم يعرفون أن الحكومة لا تتدبر أمورها، وتعاني من اشكالات مالية، والحكومة في المقابل تتورط في ذات الحفلة، وتمضي عدة أيام في جلسات استماع ليتم الرد لاحقا على النواب، بكلام عام، أو وعود مؤجلة، أو بالانين والتذمر المبطن، تحت عنوان يقول إن "العين بصيرة واليد قصيرة"، أيها المؤمنون والمؤمنات في هذا البلد. لماذا لا تتغير هذه الآليات الشكلية التي زادت أصلا، من انعدام ثقة الأردنيين بالنواب والحكومات، لاننا خبرنا على مدى عقود ذات الشكل، مطالبات وصراخ وشعبويات، وتسجيل مواقف لتسييلها لاحقا، عند أول انتخابات مقبلة، وصمت حكومي يتجرع مرارة المشهد، ويحاول أن يطفئ النيران التي تشب هنا وهناك، والتي آخرها رفض نواب جرش، ومعان، والبادية الجنوبية الالتقاء مع الحكومة في مؤشر نادر في دلالته، يتطابق مع مؤشر الغضب النيابي الذي انفجر في يوم واحد، قبل أسابيع، حين شرب النواب حليب السباع ضد الحكومة الحالية، وهذه بطبيعة الحال عدوى سياسية سوف تنتقل إلى كل النواب الآن. هل يعقل أن نستمر بذات الطريقة ونستهلك الوقت والإمكانات والجهد، في مظهر شكلي، ولماذا لا يتم إبداع آليات جديدة لمناقشة موازنة الدولة، بدلا من مواسم الكلام التي لا يتابعها أحد. الأردن بكل خبراته النيابية التاريخية، وتلك الخبرات الدستورية والقانونية، يقف أمام مجالس نيابية هرمة غير قادرة على تطوير وسائلها في التعامل مع الحكومات، والحكومات ذاتها اعتادت على النمط، فهي ترسل الموازنة، فتناقشها اللجنة المالية، بشكل تفصيلي، وتعود لنا اللجنة بتقريرها، ثم تبدأ كلمات النواب، وتسجل الحكومة الملاحظات، ويتم الرد، ثم التصويت على الموازنة، التي تفوز كل مرة، ويعود كل اللاعبين الى بيوتهم واحضان مكاتبهم. مطالب هذا العام، هي نفس مطالب العام الماضي، أو الذي قبله، فهي اما مطالب عامة يطلقها النواب ويعرفون استحالتها من زيادة الرواتب، الى العفو العام لأسباب مالية، مرورا بخفض الضرائب، وسعر الوقود وغير ذلك، أو مطالب للدوائر، مدرسة هنا، ومستشفى هناك، وشارع هنا، وحديقة هناك، وهكذا لا تخضع العملية لجدية تربط بين الممكن والمستحيل، وبين واقع العجز والديون، من جهة، والمطالبات التي يعرف الكل استحالتها. لماذا هذا الهدر في زمن هذه البلاد، وقد كان الأولى أن يلجأ النواب إلى خبراء ماليين واقتصادييين يقدمون تصورا لحل مشكلتنا المالية بشكل جذري، حتى لا نبقى ندور حول أنفسنا في ذات الدوائر، فتكون جلسات الموازنة، مثل جلسات الثقة، عناوينها تتراوح بين تحسين شعبية هذا النائب أو ذاك، أو قل كلمتك وامش، أو تسجيل المواقف، أو تصفية الحسابات، أو إحراج الحكومة السعيدة، أمام جمهورها الذي أطفأ الأضواء، ونام مبكرا. منذ الآن، ترقبوا مواسم الكلام في البرلمان، والقصف والصراخ، والصوت المرتفع، والاحراجات المتبادلة، والملاكمات الناعمة والقاسية، ثم الموافقة على الموازنة كالعادة، واستمرار حياتنا بذات النمط، حتى يستجد موسم جديد، من مواسمنا السنوية. من حقنا في هذا البلد، أن تكون مؤسساتنا السياسية، على مستوى رفيع حقا، على مستوى الأسماء والسياسات والنهج والتأثير، وبدون ذلك سنخسر ما تبقى من ثقة في هذه البلاد، التي تستحق منا جميعا، أن تبقى قوية صلبة، لا تؤثر بها العاديات، ولا سوء الإدارات أيضا. النواب على مدى برلمانات متعاقبة، والحكومات المتتالية، يتورطون معا في مشهد واحد، فالنواب يعرفون أن مطالبهم مستحيلة على الأغلب، والحكومات تسترضي النواب ليمر الموسم، دون أي مشاكل أو أزمات!. المقال السابق للكاتب 10 أسئلة أمام الرئيساضافة اعلان