هذا وطن وليس شركة لجني الأرباح

مكرم أحمد الطراونة
مكرم أحمد الطراونة

مع دخول الشتاء، استعادت عصابات المخدرات والأسلحة نشاطها من جديد، وبدأت باختبار جاهزية الجيش الأردني الذي كان يتوقع مثل هذا النشاط خلال هذه الفترة، فالشتاء يعتبر فصلا محببا للعصابات، من أجل إغراق الأردن والمحيط بالسموم، لا بل الذهاب إلى محاولة فاشلة لزعزعة استقراره.

اضافة اعلان


أمس، وعلى مدار ساعات جرت اشتباكات مسلّحة عنيفة بين قوات حرس الحدود الأردنية والعصابات المسلحة على الحدود الشمالية، وتم إحباط تهريب كميات كبيرة من المخدرات والأسلحة الأتوماتيكية والصاروخية، وقبلها كانت هناك محاولتان لإدخال مخدرات وأسلحة باءتا بالفشل كذلك.


خلال فترة الهدوء النسبي التي سادت في الأشهر الأخيرة، ظننا أن شبح المخدرات ابتعد عن حدودنا، وأن مليشيات الظلام اقتنعت بصحوة قواتنا العسكرية، وتبينت أنه "لا خبز لها" في أرضنا. لكن في الأيام الأخيرة ثبت أن هذه المليشيات لا تكل ولا تمل، فهي تمتلك "مهمة مقدسة" في محاولاتها الحثيثة بتخريب بلدنا، وإغراقه بالسموم وتدمير الأجيال، إضافة إلى جعله معبرا إلى غيره من البلدان المجاورة.


إن هذه التجارة التي يبلغ حجمها عشرات المليارات سنويا، يبدو أنه ليس من السهل التخلي عنها، خصوصا أنها نجحت حتى اليوم وعلى مدار سنوات طويلة في توفير التمويل اللازم لحرب طويلة في الجارة الشمالية، وأمّنت الأموال اللازمة لتوفير السلاح وشراء الولاءات وتشكيل المليشيات الضاغطة التي حسمت كثيرا من الساحات لمصلحة مشغليها.


إذن، فالمحاولات الجادة لاختراق بلدنا وإغراقه بالمخدرات، لا تنطلق دائما من منطلقات مالية، على أهميتها للعاملين في هذه التجارة، بل هناك جهات تهتم كثيرا بإضعاف الأردن سياسيا واقتصاديا وأمنيا، وتحويله إلى دولة فاشلة على غرار عدد من الدول التي وضعت يدها عليها، من أجل أن تنفذ مشروعها في المنطقة، وهو مشروع لا يتقاطع مع المصالح العربية، بل يتضاد معها، ويصطدم بدرجة الإلغاء.


الحرب المعلنة على الأردن من تلك الجهات ظهرت بوضوح خلال الشهرين الأخيرين، فقد رأينا الكمّ الكبير من الأخبار المضللة التي تمتلئ بها شبكة الإنترنت، والتي تحاول النيل من موقف الأردن تجاه العدوان الصهيوني على غزة، وتشويه هذا الموقف لمصلحة إشاعات لا تمتلك أي درجة من المصداقية، هدفها زعزعة الثقة بسياسات المملكة والتزاماتها القومية. 


ورغم أن الجهات المعنية كانت ترصد هذه الأخبار، وتصرّح عنها، إلا أنه، ومن باب "العيار اللي ما يصيب يدوش"، وجدت مثل هذه الألاعيب الرخيصة آذانا مصغية لدى البعض، وأخذوا في ترويجها من دون أن يخضعوها إلى أي تمحيص. آخر تلك الأخبار ما نفته الجهات الرسمية قبل يومين، وهو تكذيب وجود خط بري لإيصال البضائع من بعض الدول العربية للكيان الصهيوني، وهو خبر مضحك جدا لأي متابع للعلاقة الأردنية مع الاحتلال، والتي تعقدت كثيرا في الأسابيع الأخيرة، واتخذت منحى صداميا لا يمكن إخفاؤه.


اليوم، يخوض الأردن حروبا متعددة، وعلى أكثر من جبهة، وهو يقف أمام تحديات حقيقية تفرضها الأحداث الجارية في المنطقة، وأيضا الجهات التي تمتلك أجندات تتعارض مع المصالح الوطنية. هذا الأمر يتطلب التفافا حقيقيا حول قواتنا المسلحة التي تتصدى ببسالة لجميع الأخطار المحيطة بنا، وتدفع ضريبة الدم من أجل أن يبقى الأردن عصيا على الاختراق.


الجيش يقوم بواجبه كاملا، ويبقى الدور علينا نحن بالوقوف إلى جانب وطننا، وأن نجعله أولوية حقيقية، لا أن نتعامل معه بظرفيات وحسابات الربح والخسارة. هذا وطن، وليس شركة لجني الأرباح.

 

للمزيد من مقالات الكاتب انقر هنا