105 أعوام على "بلفور"..!

علاء الدين أبو زينة أكثر من قرن مرت أمس على صدور «وعد بلفور»، النص الموجز الذي غير أقدار مئات الملايين منذ إعلانه في مثل هذه الأيام قبل أكثر من قرن. وهو لم يكن وعداً، بمعنى إمكانية تحققه أو النكث به، وإنما كان إعلانًا عن قرار مبيت ومدروس، وخطوات تحقيقه على الأرض قيد التنفيذ. وبذلك، ربما تكون كلمة «إعلان» declaration أدق في وصف تلك الوثيقة الإجرامية التي آذنت بإزهاق أرواح لا تحصى، وتشريد شعب، وتوتير إقليم كامل بلا توقف وجعل الحياة أصعب على مواطنيه. كان الإعلان صك تمليك أعطاه شخص، بلفور، لشخص آخر، روتشيلد، في ازدراء مطلق لأمه العرب كاملة، ولوجود الشعب الفلسطيني الذين انتُزع منه وطنه وأحلامه ومستقبله وأعطيت لغرباء بالقوة، وتقرر شطبه من التاريخ. وإذا كان الاستعمار غير إنساني ووضيع في حد ذاته كفكرة وممارسة، فإن تبرع مُستعمر بأوطان الغير لآخرين وكأنه ربّ الأقدار والمصائر هو شيء غير مسبوق في وحشيته وتناقضه الوقح مع الحق والأخلاق والخير والضمير. وهو يجعل بريطانيا أسوأ قوة استعمارية على الإطلاق. كان الأميركان والاستراليون قد أبادوا شعوبًا أصلية ليأخذوا أرضها ويحلوا محلها ويصنعوا أنفسهم كأمم من العدم. لكن البريطانيين فعلوا ذلك لا لأنفسهم، وإنما لآخرين، وعلى حساب آخرين لا يتناقضون معهم وجوديًا. سعت بريطانيا بكل ما تملك من الوسائل لتنفيذ إعلانها، فاستصدرت «صك الانتداب» على فلسطين لتمهد الأرضية لإقامة «وطن قومي» لليهود فيها. وفي سبيل ذلك، فعلت كل ما تستطيع لإخضاع الشعب الفلسطيني وتجريده من وسائل المقاومة. وفتحت كل الأبواب لهجرة الصهاينة إلى البلد المحتل برغم اعتراضات أصحابه. وقمعت الثورات وصادرت السلاح وأعدمت الأحرار وسجنت المقاومين بلا رحمة. ويشير الباحثون إلى أن مصطلح «وطن قومي» كان مفهومًا غير مسبوق في أدبيات القانون الدولي. كما احتوى نص الإعلان على مغالطة في استخدام وصف «شعب» لإطلاقه على اليهود. فالشعب، وفق معظم التعريفات، مصطلح يشير إلى «مجموعة من الأفراد أو الأقوام يعيشون في إطار واحد من الثقافة والعادات والتقاليد ضمن مجتمع واحد وعلى أرض واحدة. ومن مميزات الشعب طريقة تعامل أفراده، وشكل العلاقات الاجتماعية التي تتكون في مجتمعات هذا الشعب، إضافة إلى طبيعة العقد الاجتماعي بين أفراده». ومن الواضح أن هذه الصفات لا تنطبق على اليهود ذوي الأعراق والأماكن والسمات الثقافية المتفارقة للغاية، ولا يجمعهم شيء غير الدين. وقد تفرد مصطلح «الشعب اليهودي» بحيث لا يُعترف بشيء نظير عندما يتعلق الأمر بالأديان والعقائد الأخرى. ليس ثمة «الشعب المسلم» أو «الشعب المسيحي» أو «الشعب البوذي»، حتى لو كانت بقية سمات الشعب الموصوفة تنطبق عليه. فالشعب في النهاية قومية عرقية ولغة وتراث ومكان مشترك. مع ذلك، تحدث الصهاينة وأنصارهم عن عدم وجود شيء اسمه الشعب الفلسطيني، وقالوا إنه شعب مختلق. في حين دخل مصطلح «الشعب اليهودي» بقوة في الأدبيات وترسخ بفضل إسناد الخطاب الزائف بالقوة الفيزيائية. الآن، بعد 105 سنوات على إصدار الإعلان الإجرامي وتطبيق خطته – ما عدا الجزء الخاص بحقوق الفلسطينيين، أصحاب الأرض الحقيقيين، بطبيعة الحال- ما تزال «المملكة المتحدة» وفية لإرثها الوحشي، حيث تظل من بين القوى الداعمة بحماس للمشروع الاستعماري-الاستيطاني الصهيوني في فلسطين بلا تعبير عن أي ندم أو تراجع. وما تزال تضع نفسها بين قوى التحضر وتحمل لواء الدفاع عن حقوق الإنسان، وكأنها لم تقترف جريمة أثرت – وما تزال- على كل فرد ينتمي إلى الشرق الأوسط. وما يزال العرب ينظرون إليها كـ»مركز» – ليس استعماريًا، وإنما معرفي وحضاري ومثير للإعجاب. بل إن بعضهم يتماهون مع ما قرره بلفور ونفذه حين يقبلون بنتائجه ويطبعونها على حساب شعوبهم والشعب الفلسطيني الضحية. لا يمكن بالتأكيد نسيان هذا القرن المليء بالمآسي الفردية والجماعية في منطقتنا بسبب نشوء الكيان الصهيوني المعادي عقب «بلفور» وتبعاته. في النهاية، أصبح هذا كله واقعًا متحقًقا لا يمكن اعتباره شيئًا لم يكن. لكن الفلسطينيين وأنصارهم من العرب ذوي الضمائر والفاهمين حتى لمنطق المصلحة، أبقوا مشروع بلفور والصهاينة غير مستقر ومؤهلًا للهدم في أي لحظة. وأعلن الفلسطينيون في كل لحظة عن حيويتهم وتجذرهم التاريخي في وطنهم في حين يختبئ رعايا بلفور خلف دروعهم وأسوارهم ويعيشون مع الخوف، كما هو شأن كل قاتل وسارق. والإيمان الذي لا يدانيه شك هو أن مشروع بلفور ومشاركيه سيذهب إلى التاريخ غير الجميل، كشيء كان هناك ذات يوم وانتهى. المقال السابق للكاتب اضافة اعلان