"الإمام بيكنباور" ومونديال الانتخابات التركية

قبل سنوات قليلة في مدينتي البلجيكية، حظيت بحوار ثري مع مواطن بلجيكي من أصل تركي (مهاجر)، وطبعا مثل كل المشرقيين المهاجرين فإن السياسة تجد طريقها في حواراتنا مهما حاولنا تجنبها، وحينها وقد كانت تداعيات الحركة الانقلابية لعام 2016 لا تزال حاضرة من خلال رد الفعل الأردوغاني على العملية الانقلابية، كان محاوري التركي قد بدأ حديثه بمقدمة ذكية تحمل دلالاتها بتعريفي عن شخصه الكريم أنه صاحب ملهى ليلي وكازينو صغير محلي في مدينتنا بالشراكة مع شقيقه، وتلك كانت مقدمة ضرورية لديه ليدخل في أسبابه الموضوعية دفاعا عن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان وحزب العدالة والتنمية، معددا لي المبررات البرامجية التي دفعت رجلا مهاجرا مثله إلى التصويت لحزب محافظ مثل حزب العدالة والتنمية، والمبررات التي ساقها محاوري التركي جميعها مقنعة ومصلحية وتثبت أن القواعد الجماهيرية لأردوغان تنطلق من برامج رفاه اقتصادي وسياسات اجتماعية محافظة باعتدال تميل إلى الثقافة العميقة للمجتمع التركي أكثر من ميلها لأيديولوجية دينية.

اضافة اعلان


فعليا، لم أر أي عامل مشترك بين مواطن تركي "يملك ملهى ليليا وكازينو قمار" يؤيد أردوغان ومواطن عربي "ويشمل ذلك الأردنيين" يرى في أردوغان حالة المخلص الإسلامي ومشروع "أمير المؤمنين" القادم للعالم الإسلامي "المنقسم أصلا بين طوائفه ومذاهبه المتعددة.


لكن أردوغان حالة كاريزمية بلا شك، والكاريزما التي يمتلكها "الإمام بيكنباور" كما كان يناديه أقرانه في مطلع شبابه وهو على طريق احتراف كرة القدم في الأندية المحلية، يمكن قراءتها من زاوية تركية قائمة على "مصالح وطنية" استطاع أردوغان أن يلعبها بمنهجية السهل الممتنع طوال سنين حياته، أو من زاوية عربية قائمة على تراكم الخيبات والبحث الدائم عن مخلص "ما"، يرى البعض وجهه على القمر مأخوذا بسكتشاته السياسية المدروسة بدقة واحترافية عالية.


في الانتخابات الأخيرة، خاض أردوغان معركتها بمشقة أكبر نسبيا عن سابقاتها، لكنه كان قارئا جيدا للمزاج العام التركي "القومي" المحافظ، على عكس خصومه الذين لا زالت قراءتهم محكومة بمفردات "الطورانية" العصبوية بدون أي حشوة برامجية تقدم حلولا اقتصادية، غير الميل على النموذج الغربي، والأتراك بمجملهم تراكم لديهم نفور من ذلك الغرب ومن سياساته المجحفة دوما بحق المصالح التركية منذ معاهدة لوزان.


خاض أردوغان الانتخابات بتحالف مختلف هذه المرة، فيه لمسة قومية تبحث عن مصلحة تركية ضمن رؤية إستراتيجية تبحث عن مساحات أكبر لتركيا في عالم جديد قيد التشكيل في كل علاقاته الدولية.


استدارات سياسية بالكامل انتهجها الرئيس التركي في العامين الأخيرين توحي بحجم البراغماتية التي يمتلكها لكنها ليست مدفوعة بالمجان، بل مرتهنة بمصالحه الحزبية التي استطاع أن يقنع مواطنيه بعلاقتها الوثيقة بالمصلحة التركية نفسها.


الانتخابات ليست بنتيجتها المباشرة، بل بأرقامها المتقاربة بين المتنافسين والتي تعكس تحولا مهما في المزاج العام التركي الذي سيدير شؤونه أردوغان بصفته رئيسا للجمهورية، رئيسا للجميع بلا استثناء، في عالم بدأت ملامحه الجديدة تتبلور في شرق متوسط تبحث تركيا عن موطئ "جرف قاري" لها فيه، وإقليم يلملم ملفاته ويعمل على تسويتها بعناوين تكاملية جديدة بالمطلق.


احتفالات "الإسلام السياسي" ومريديه في عالمنا العربي بالفوز الأردوغاني مبررة عاطفيا، لكنها لن تطول كثيرا حين تصبح سياسات تركيا الوشيكة في إقليم "شرق المتوسط" تبحث عن مصلحة تركيا والأتراك فقط، وهذا استحقاق شرعي لدولة على كل ما في تاريخها من انقلابات عسكرية إلا أن صناديقها الانتخابية لم يتلوث شرفها يوما منذ أول انتخابات في الجمهورية، وهو الشرف الوحيد في عالم اليوم الذي يستحق أن يراق على جوانبه الدم.

 

للمزيد من مقالات الكاتب انقر هنا