الأثر العكسي للعودة بعد اللجوء

الدكتور خالد واصف الوزني

في الأردن حسب الإحصاءات الرسمية ما يزيد على 1.4 مليون لاجئ سوري، منهم ما يقرب من 650 ألف لاجئ مُسجل رسميا لدى المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئينUNHCR. اضافة اعلان
وبالرغم من الآثار الاقتصادية والاجتماعية السلبية التي ولَّدها استضافة هذا العدد الذي يزيد على 15 % من سكان الأردن حالياً، أو نحو 20 % من سكان البلاد قبل اللجوء، فإن المعطيات الاقتصادية تطرح أيضا مجموعة من المؤشرات الإيجابية على حركة الاقتصاد والنمو الاقتصادي، بل وعلى التنمية الاقتصادية في مناطق اللجوء الأساسية، وذلك بالرغم من عدم الرضا الكلي عن الجهود التنموية الحكومية والخارجية والتي بلا شك شكَّلت بعض القصور في العديد من التحديات في مجالات البنية التحتية من مياه وكهرباء وصرف صحي وخدمات بلدية.
لكن المعطيات على أرض الواقع تشير اليوم إلى إمكانية تحقيق انفراجة حقيقية في الأزمة السورية، وبدء عودة العديد من اللاجئين الضيوف إلى قراهم ومدنهم. وهي قضية ستبدأ بشكل بطيء، ثمَّ بزخم متصاعد.
بيد أنها عملية ستستمر لسنوات عديدة. ذلك أن حجم التدمير في بعض المناطق وصل إلى درجة المسح الكامل، وهذا يعني عودة تدريجية قد لا تنتهي قبل عقد من الزمان.
الشاهد من هذا كله هو أنَّ علينا الاستعداد ودراسة الأثر العكسي لبدء عملية العودة وما يرتبط بها من مكونات على أرض الواقع. وهنا لا بدَّ من إجراء دراسة شاملة للأثر الاقتصادي والاجتماعي لهذه العملية وضمن معطيات ثلاث؛
أولاً: إنَّ العودة ستعني تراجع الأثر الاقتصادي الإيجابي على النمو فوجود اللاجئين وأثرهم الاقتصادي كان يُسْهِمُ فيما لا يقل عن 15-20 % من النمو الكلي في البلاد، ما يعني أنَّ علينا إيجاد مصارف أخرى لتحقيق الفرق في النمو الكلي، وخاصة أنَّ النمو الحالي للبلاد أصلاً عند مستوى لا يتجاوز 2 %، وهو نمو لا يرقى إلى المستوى المأمول من ناحية، بل هو من ناحية أخرى مؤشر على تراجع مستوى الدخل الفردي في ظل نمو سكاني محليٍّ طبيعيّ يفوق 2.6 % سنوياً. نحن في غنى عن تراجع إضافي في النمو الاقتصادي في هذه المرحلة.
ثانياً: ستتأثر مناطق ومحافظات الاستضافة الرئيسة، وخاصة في المفرق، وإربد، والزرقاء، وحتى عمان بشكل سلبي، وستفقد تدريجيا الكثير من الموارد التي كانت توجَّه إليها من المجتمع الدولي، ومن الموازنة العامة، ومن الدول المانحة، وهي بالرغم من عدم رضا الجميع عمَّا تمَّ تقديمه أو حتى عن طريقة إدارة تلك المنح والموارد، إلا أنَّ ذلك كان يشكِّل موارد لم تكن في الحسبان سابقا، ولم تكن موردا سابقا للدخل في تلك المناطق.
بل إن التجار في المناطق المذكورة، وخاصة في مناطق التأثر الكبير في المفرق وإربد، سيشعرون بتراجع كبير في الدخل؛ بسبب تراجع عدد السكان المقيمين في تلك المناطق، وعليه، فهناك حاجة إلى دراسة هذا الأثر والبحث عن سبل الإدماج والتأهيل لهذه الفئات.
ومرة أخرى، كل ذلك بالرغم من الأثر السلبي لاستضافة الإخوة السوريين على الموازنة العامة وعلى البنية التحتية وعلى الاقتصاد الوطني، وحتى على مزاحمة المواطنين على السكن، وعلى الوظائف وعلى التجارة وعلى الأعمال، وقد وصل الأثر المادي على الاقتصاد وفق آخر دراسة أعددتها أنا شخصياً إلى ما يربو على 3000 دولار للشخص الواحد في السنة. أي نحو 4 مليارات دولار سنويا.
ثالثاً: هناك حاجة حقيقية إلى إعداد تصور شمولي حول الدور القادم في مجال إعادة الإعمار في سورية، وهو تصور يجب أن يوضع بفكر تخطيطي استراتيجي متكامل يشمل إدماج اللاجئين السوريين في العملية، ويشمل خلق شراكات حقيقية مع القطاع الخاص والعام في البلدين، كما يشمل تشغيل عمالة من الجانبين السوري والأردني ورؤوس أموال مشتركة.
وبما أن عودة العديد من اللاجئين لن تتم على الفور، في حين أن الإعمار سيبدأ قريباً بإذن الله، فإنَّ أحد أفضل السبل هو دراسة تحويل مخيمات اللجوء إلى مدن لوجستية صناعية وخدمية لغايات دعم عملية اللجوء، بما يكفل تحقيق عوائد حقيقية للجميع؛ أي اللاجئين والمجتمعات التي استضافتهم، مع التركيز على خلق فرص تستفيد منها المجتمعات المستضيفة، لتقطف بعض ثمار معاناتها السابقة، وأن لا تتركز الفرص بيد طبقة محددة يعنيها العائد أكثر مما يعنيها استفادة المجتمعات، وخاصة تلك التي تجشمت عناء الاستضافة، وتحملت آثارها وتحدياتها الكبرى.
الشاهد مما سبق جميعه، أن تلجأ الحكومة، بالتعاون مع برامج دولية معروفة، إلى إعداد دراسة متكاملة حول الموضوع برمته؛ أي الأثر الكلي للعودة، مع وضع ذلك ضمن مفهوم الإنذار المبكر والتخطيط الاستراتيجي لما هو قادم.