الانتقال الكبير: مسيرة الأردن نحو الاستقرار والتحديث (2-1)

د. حسن عبد الله الدعجة
د. حسن عبد الله الدعجة

في قراءة متعمقة لكتاب “الانتقال الكبير”، الذي صدر عن صندوق الملك عبدالله الثاني للتنمية بمناسبة اليوبيل الفضي لجلالته،  نجد أنه من الضروري استعراض ما جاء به من موضوعات ومحطات فاصلة في تاريخ الدولة الأردنية؛ حيث يستعرض مراحل التطور المهمة في تاريخ الدولة الأردنية المعاصرة. فالأردن مر بأربع مراحل تاريخية ارتبطت بالملوك الهاشميين واتسمت بالتواصل والتراكم والتجديد. ومنذ تولي الملك عبدالله الثاني العرش في 1999، استمرت المملكة في البناء على هذا الإرث، متمتعة بقيم هاشمية وتجارب غنية.اضافة اعلان
في 7 شباط (فبراير) 2024 من كل عام، تحل ذكرى “الوفاء والبيعة”؛ حيث تولى الملك عبدالله الثاني مسؤولية البلاد بعد وفاة الملك الحسين بن طلال. قاد الملك الشاب الأردن في بيئة إقليمية ودولية معقدة مليئة بالتحديات الأمنية والاستراتيجية.
ومع ذلك، استطاع الأردن تحت قيادته بناء نموذج خاص في التحديث والتكيف، وفق معادلة “الازدهار والمنعة” التي حافظت على الدولة قوية ومتماسكة، وهذا النموذج ساعد الأردن على تجاوز العديد من الأزمات الإقليمية والدولية.
أدرك الملك عبدالله الثاني مبكرًا أبعاد التحولات في المنطقة، فعمل على استثمار وحدة الهوية الوطنية الأردنية لمواجهة التحديات الخارجية. فقاد العديد من المبادرات لتعزيز الصمود والتماسك الوطني، مؤكدًا أن الظروف الصعبة لن تثني عزيمة الأردنيين.
والهوية الوطنية الأردنية بقيت صامدة ونامية، قادرة على الاستيعاب والاندماج والقبول بالتنوع، وتجسدت بوضوح في الربع الأول من القرن الحالي. والقيم السياسية والثقافية للأردن، التي تم تطويرها منذ تأسيس الدولة، ساعدت في تمتين الهوية الوطنية.
فقيم مثل الاستمرارية والتحديث والاعتدال السياسي أصبحت جزءا أساسيا من التاريخ الأردني، وتم تبني قيم الوسطية الإسلامية والمشاركة والتعددية والأصالة والحداثة، مما أسهم في تحقيق الاستقرار والنمو المستدام.
وهذه القيم انعكست في السياسات الحكومية التي ركزت على تعزيز سيادة القانون وتحديث الإدارة العامة، من خلال إصلاحات تشريعية ومؤسسية تهدف إلى تعزيز الشفافية والمساءلة في المؤسسات الحكومية، وتحسين أداء القضاء واستقلاليته لضمان العدالة. بالإضافة إلى ذلك، حرصت الحكومة على تطوير البنية التحتية وتحسين بيئة الأعمال لجذب الاستثمارات وتعزيز الابتكار وريادة الأعمال.
وفي رؤيته المستقبلية، يركز الملك عبدالله الثاني على استمرار هذه الإصلاحات لتحقيق مزيد من الرفاه الاجتماعي. كما يسعى الملك إلى تحديث النظام السياسي من خلال تعزيز المشاركة السياسية وتوسيع قاعدة الديمقراطية. كما يهدف إلى تنويع الاقتصاد وتحفيز القطاعات الحيوية، مثل التكنولوجيا والسياحة والصناعة، مما يسهم في تحسين جودة الحياة للمواطنين وتمكين الشباب والمرأة.
وبفضل هذه الرؤية الشاملة، يسعى الأردن إلى تحقيق التنمية المستدامة، تعزيز الاستقرار، ورفع مستوى الرفاه الاجتماعي، ليظل نموذجا للنجاح والتقدم في المنطقة.
وفي مواجهة التحديات الاستراتيجية، أعاد الأردن تموضعه الاستراتيجي بالاعتماد على التماسك الوطني والبنية الأمنية المتينة والتحالفات الدولية والإقليمية. ورغم صعود التطرف في المنطقة، حافظ الأردن على دوره التقليدي واستطاع فتح آفاق جديدة.
أما على صعيد الأزمات العربية والإقليمية، فقد مارس الأردن دبلوماسية وقائية والتزم بالمواقف القومية، وحذر من تبعات غزو العراق، وقدم الدعم الطبي والإنساني للعراقيين من خلال المستشفى الميداني الأردني. كما استضاف الملك عبدالله الثاني حوالي نصف مليون عراقي على أراضي الأردن.
وخلال “الربيع العربي”، رأى الملك عبدالله الثاني أن الحركات الاحتجاجية فرصة للتغيير والإصلاح، وتبنى استراتيجية ترى أن الحل السياسي هو الممكن الوحيد لأزمة سورية. كما أدان الإرهاب وعمل على حماية صورة الإسلام السمحة، وخاض الأردن مواجهات واسعة ضد الإرهاب، أبرزها تفجير فنادق عمان في 2005، الذي أثبت كفاءة الأجهزة الأمنية الأردنية في التصدي لهذه الأعمال.
وفي منتصف العقد الثاني من القرن الحالي، توسع الإرهاب في المنطقة، محاصرًا الأردن من جهات عدة. لكن القوات المسلحة الأردنية عملت بجدية على تحصين الحدود ومنع تسلل الإرهابيين، بينما أثبتت الأجهزة الأمنية كفاءة عالية في الكشف عن العمليات الإرهابية وإحباطها قبل وقوعها.
إضافة إلى ذلك، بذل الملك عبدالله الثاني جهودًا حثيثة لتعزيز الاقتصاد الوطني وتنويع مصادر الدخل. عمل على تحسين بيئة الاستثمار وتطوير البنية التحتية، مما جذب الاستثمارات الأجنبية وأسهم في خلق فرص عمل جديدة. كما اهتم بتطوير قطاع التعليم والصحة، لضمان توفير خدمات عالية الجودة للمواطنين.
كما تبنى الملك عبدالله الثاني سياسة خارجية متوازنة قائمة على الانفتاح والحوار، مما عزز مكانة الأردن على الساحة الدولية. سعى لتعزيز علاقات الأردن مع دول الجوار والدول الكبرى، ولعب دورا محوريا في الجهود الإقليمية والدولية لحل النزاعات وتحقيق الاستقرار.
وفي مجال حقوق الإنسان والتنمية الاجتماعية، قاد الملك عبدالله الثاني جهودا لتحسين حقوق المرأة وتمكين الشباب وتعزيز العدالة الاجتماعية. أطلق العديد من المبادرات والبرامج التي تهدف إلى تحقيق المساواة وتوفير الفرص للجميع، مما أسهم في بناء مجتمع أكثر تماسكا وازدهارا.
والكتاب يستعرض، كذلك، رؤية الملك عبدالله الثاني لمستقبل الأردن، حيث يركز على التحديات والفرص المقبلة. يؤكد الملك أهمية الاستمرار في عملية التحديث والإصلاح، لمواجهة التحديات الاقتصادية والاجتماعية والبيئية، وضمان استدامة التنمية والازدهار.
ويؤكد الكتاب أن الأردن، بقيادة الملك عبدالله الثاني، استطاع تحقيق الاستقرار والتحديث رغم التحديات الكبيرة، بفضل الحكمة والرؤية الاستراتيجية للملك، وبفضل التماسك الوطني والقدرة على التكيف مع المتغيرات الإقليمية والدولية. كما يعد هذا الكتاب توثيقا مهما لمسيرة الأردن خلال ربع قرن من الزمان، ويقدم رؤية شاملة للتحديات والإنجازات التي شهدتها المملكة تحت قيادة الملك عبدالله الثاني.. وللحديث بقية في الجزء الثاني.