"التحديث الاقتصادي".. تعزيز الشراكة بين القطاعين العام والخاص لإحداث قفزة بمسرعات الأعمال

سماح بيبرس وإبراهيم المبيضين - رغم إقبال الشباب اليوم على ابتكار وإنشاء الشركات الناشئة "الريادية" بمساندة التكنولوجيا وظهور عدد من قصص النجاح الأردنية في هذا المجال، وخصوصا الريادة التقنية، إلا أن خبراء في القطاع يرون أن ريادة الأعمال لم تصل بعد الى مرحلة النضج، وما تزال تحتاج الى مزيد من العمل بتشاركية بين الحكومة والجهات المعنية للاستفادة من أثرها اقتصاديا واجتماعيا، وخصوصا في مجال التخفيف من نسب البطالة.
وأكد خبراء، في أحاديث منفصلة ل"الغد"، أن "ريادة الأعمال" لم ترق بعد لمستوى وصفها ب"القطاع" وأننا بحاجة الى توفير الدعم والتشاركية بين الحكومة والقطاع الخاص لإحداث "قفزة" في أعداد مسرعات الأعمال وأعداد الشركات الناشئة التي نخرجها سنويا، فالعدد محليا ما يزال متواضعا وبالعشرات مقارنة بدول أخرى تخرج سنويا آلاف الشركات الناشئة سنويا.
وأوضح الخبراء ضرورة العمل بجد لنفي سياسة ريادة الأعمال التي أقرتها الحكومة العام الماضي، وتجاوز التحديات التي تواجه بيئة ريادة الأعمال الأردنية؛ وأبرزها عدم وجود استقرار في التشريعات، وعدم مراعاتها لطبيعة الشركات الناشئة سواء قوانين تأسيس الشركات وإغلاقها، قوانين وإجراءات الضريبة، الضمان الاجتماعي، الجمارك، والعمل، الى جانب تحديات التمويل والوصول الى الأسواق والثقافة المتبطة بريادة الأعمال.
وقدمت "رؤية التحديث الاقتصادي" لقطاع الاتصالات وتقنية المعلومات 14 مبادرة ومشروعا لتطويره وضمان استدامته ورفع مساهمته في الناتج المحلي الإجمالي من 3 % في نهاية العام 2021 إلى ما نسبته 13 % بحلول العام 2033، وزيادة التوظيف فيه إلى أكثر من مائة ألف موظف.
ووضعت الرؤية "ريادة الأعمال" محركا أساسيا من محركات الرؤية، وأكدت أهمية تطوير ونمو الشركات الصغيرة والمتوسطة وريادة الأعمال، وأهمية توفير حاضنة للمؤسسات متناهية الصغر ودعم رواد الأعمال في جميع أنحاء المملكة وتطوير مبادرات تساعد على الوصول الى الأسواق وإنشاء صناديق تمويلية.
وزير الاتصالات الأسبق، رئيس مجلس إدارة صندوق "أويسس 500" مروان جمعة، قال "إن ريادة الأعمال ليست قطاعا مستقلا، بل هي أسلوب عمل وتفكير مرتبط بقطاعات مختلفة على رأسها قطاع تقنية المعلومات الذي نما بشكل كبير خلال السنوات الأخيرة".
وبين جمعة "أن ريادة الأعمال هي نهج حياة وأسلوب تفكير يزرع في الإنسان منذ طفولته"، لافتا الى أهمية الابتعاد في مجال التعليم عن أسلوب التلقين والحفظ المعتمد في المناهج، وتحفيز الشباب على التفكير الإبداعي وتعزيز مهاراتهم الحياتية والرقمية.
وأكد "أن هنالك فهما خاطئا لريادة الأعمال من الجميع لدرجة أننا أصبحنا نريد أن يصبح كل أردني رياديا"، موضحا أن النسب العالمية تشير الى أنه من بين كل 100 هناك ريادي واحد أو اثنان فقط، وأن غالبية ما نشهده الآن في الأردن ليست مشاريع ريادية بل هي مشاريع صغيرة.
وأوضح أن وجود وحراك الرياديين على درجة كبيرة من الأهمية في المجتمع والاقتصاد، لكنهم نادرون وقلة قليلة من تنجح في تحويل فكرتها الى مشروع ريادي كبير قادر على التوظيف، لكنه أكد أن الجيد في هذه المشاريع أنها تتوسع وتكبر ويخرج منها موظفون يؤسسون شركاتهم الخاصة يحملون خبرات وطريقة تفكير تدربوا عليها في الشركة الأساسية.
وأضاف أن قطاع الخدمات لم يعد يعتمد على العمالة المحلية بل بات يلجأ للعمالة العالمية، وخصوصا مع استخدام الانترنت؛ حيث إن الشركات قد تستقطب الكفاءات من أي مكان في العالم ودون ضرورة وجوده في المكان. وأشار الى أهمية التغيير في قوانين العمل بما يتلاءم مع التغيرات في الأسواق العالمية.
وأوضح أن المنافسة اليوم "شرسة" ولم تعد محلية أو إقليمية بل هي منافسة عالمية وإذا لم يكن هناك تركيز على "النوع" لتخريج أفواج مؤهلة ومدربة وجاهزة للعمل فإن الاقتصاد سيخسر الكثير، ناهيك عن أن المستثمر عادة ما يأتي الى البلد التي تتوفر فيها كوادر مدربة وعلى مستوى عال من المهارة.
رؤية التحديث كانت أشارت إلى أن الأردن يعرف بكونه علامة تجارية إقليمية قوية مشهودا لها في مجال ريادة الأعمال والإبداع، لما يشتمل عليه من إمكانات غير مستغلة، مع قاعدة متينة من المواهب والموارد المؤهلة، لكنه على الرغم من ذلك يعاني من استنزاف المواهب ونقص بعض المهارات في المجالات المهمة. ولفتت إلى معاناة قطاع الصناعات الإبداعية من التشتت، والافتقار إلى الوعي الراسخ والتقدير والتكامل من جانب القطاعين العام والخاص، إضافة إلى صغر السوق المحلية ومحدودية الوصول إلى الأسواق الدولية.
وتذبذب مركز الأردن في مؤشر الريادة العالمي الصادر عن معهد الريادة والتطوير العالمي في السنوات الأخيرة؛ إذ يظهر أن المملكة جاءت في المرتبة (63) عالميا من بين 137 دولة، مقارنة مع المرتبة 49 في العام السابق 2018، فيما جاء الأردن في المرتبة 56 في العام 2017، والمرتبة 64 في العام 2016.
وقال الشريك الاداري في شركة المتكاملة لتنمية المشاريع الريادية "فينتشر إكس" يوسف حميد الدين "إن علينا مراعاة التباين في مختلف المفاهيم والمصطلحات والتعريفات المتعلقة بريادة الأعمال في الأردن وفي المنطقة وضرورة توطينها لتتفق مع طبيعتنا الخاصة".
وأشار حميد الدين إلى أن "ريادة الأعمال المرتبطة برأس المال الجريء" سيصبح لها أثر اقتصادي وقدرة على استيعاب الكوادر وتوظيف الخريجين والخريجات متى ما وصلنا إلى آلاف الشركات الريادية والناشئة سنويا، وبالتالي هناك ضرورة لإطلاق مسرعات الأعمال المتعددة والمتخصصة ضمن القطاعات كافة التي تناولتها رؤية التحديث الاقتصادي، والأمل أن مبادرة تسارع الأردن وانطلاق أربعة مسرعات من تحت عباءة "فينشور أكس" ستكون بمثابة خطوة من القطاع الخاص لتحفيز الآخرين والمؤسسات من القطاعين الخاص والعام على إطلاق غيرها.
وقال حميد الدين "إننا بحاجة الى 200 مسرعة أعمال لتحقيق تغير كمي في الاقتصاد المحلي، وعندها سنصل الى درجة "التكتل" أو "القطاع" وتحقق ذلك سيجعل للريادة المرتبطة برأس المال الجريء دورا كبيرا في الناتج المحلي الإجمالي وفي التوظيف والمساهمة في إنهاء مشكلة البطالة".
نتائج دراسة محلية، العام الحالي، أظهرت أن هناك 400 شركة ناشئة أردنية معظمها تقنية أو تطوع التقنية لخدمة القطاعات الأخرى مثل التعليم والصحة والتجارة والمالية والزراعة وغيرها من القطاعات، حيث وفرت هذه الشركات حتى يومنا هذا حوالي 3.5 ألف وظيفة مباشرة.
دراسة أخرى أظهرت أن منظومة ريادة الأعمال في الأردن تتكون من 245 مشروعا وبرنامجا عاملا، تتبع لـ96 مؤسسة محلية وخارجية (بواقع 2.5 برنامج لكل مؤسسة).
واتفق الشريك المؤسس والرئيس التنفيذي لشركة "إس تي إس" التقنية الأردنية أيمن مزاهرة مع حميد الدين في الرأي، مؤكدا "أننا لا نستطيع اليوم إطلاق مصطلح "قطاع" على ريادة الأعمال في الأردن لأن عدد الشركات الناشئة التي يجري إطلاقها في السوق المحلية ما يزال قليلا ونحن بحاجة الى زخم وقفزة في هذا المجال وزيادة عدد مسرعات الأعمال وتعميمها في كل المملكة وزيادة التمويل وإعطاء الفرص والدعم لأكبر عدد من الأفكار الريادية حتى نخرج أكبر عدد من الشركات الناشئة سنويا، لا سيما وأن نسبة كبيرة من الشركات تفشل لأسباب مختلفة في أول سنوات انطلاقتها".
وقدم مزاهرة أربع نصائح لرياديي الأعمال والشباب لتكون وصفة نجاح لهم؛ أولاها تحديد الهدف في الحياة والعمل، ومن ثم الانطلاق بالعمل والبحث عن المعرفة والمهارة بالانفتاح على الآخرين، والمثابرة والجدية في العمل على الهدف حتى لو تطلب لك السهر والعمل لساعات طويلة، وعدم الاستسلام أمام الحواجز والعقبات وحالات الفشل التي يجب أن يتعلم منها الشباب للنهوض مجددا.
ومن جانبه، أكد المدير العام لمركز تطوير الأعمال "BDC" غالب حجازي، الدور الرئيسي الذي تلعبه المشاريع الريادية في النهضة الاقتصادية وخلق فرص تشغيل للشباب الأردني؛ حيث احتل الأردن مراتب متقدمة في ريادة الأعمال بحسب التقارير العالمية بالمقارنة مع الدول العربية، لكنه أشار الى أننا بحاجة اليوم لتعزيز منظومة ريادة الأعمال في الأردن.
وقال حجازي "إننا بحاجة الى تأسيس مظلة لتيسير وتفعيل التشاركية بين أصحاب القرار والمؤثرين ومزودي الخدمات للخروج بسياسات وقوانين وأنظمة تضمن تنفيذ المشاريع وتطويرها بسهولة ويسر وبالتوافق مع الخطط الاستراتيجية والتنموية، وخصوصا رؤية التحديث الاقتصادي وبحسب الاحتياجات والأولويات التنموية في المناطق والمحافظات".
وكانت رؤية التحديث دعت لتسريع وتيرة التحول الرقمي الحكومي من خلال إقامة شراكات مع القطاع الخاص، وتحسين حزم الحوافز والمحافظة عليها للاستثمار وتنمية المواهب على نطاق واسع، وإطلاق حملات محلية ودولية لإنشاء الهوية التجارية وتعزيز المكانة.
وأكد أهمية تطوير الفكر الريادي لمواكبة التغيرات العالمية ومتطلبات العصر، أهمها ريادة الأعمال الرقمية وتكنولوجيا المعلومات.
ويرى حجازي أن تعزيز ثقافة ريادة الأعمال أساسية تبدأ على مستوى الفرد والعائلة والمجتمع لتحفيز الشباب الأردني والسيدات، وتوجيههم لتحويل الطاقات الكامنة الى فرص تشغيلية من خلال تمكينهم بالمهارة والسلوكيات الريادية وتوجيههم لمحاكاة عالم الأعمال لبناء مشاريعهم الريادية باتباع أسس عملية وعلمية تضمن استدامتها وتطويرها، لافتا الى أن دراسات المركز، ومن خلال تجربة عمله في دعم المشاريع الريادية والشباب خلال السنوات الماضية يظهر أن كل مشروع ريادي، إن بني على أسس صحيحة، يخلق نحو وظيفتين خلال فترة أول عشرة أشهر من العمل.
وأكد أهمية تصحيح النمط السائد بأن ريادة الأعمال هي بديل للتشغيل، بل هو نافذة لخلق فرص استثمارية في المناطق التي تفتقر للنشاطات الاقتصادية وتطويرها من مشاريع ميكروية الى مشاريع صغيرة ومتوسطة توفر فرص تشغيلية للشباب.
وقال مدير مركز الابتكار والريادة في الجامعة الأردنية الدكتور يزن الزين "إن الأمل كبير في ريادة الأعمال وتنميتها وتطويرها في الأردن، وخصوصا أن شبابنا الأردني مؤهل ويحمل كفاءات وطاقات كبيرة مع توجههم بشكل كبير لابتكار الأفكار الجديدة وتأسيس الشركات الناشئة أكثر من التوجه الى الوظائف التقليدية".
بيد أن الزين أكد "أن علينا اليوم العمل بجد لتجاوز مجموعة من التحديات التي تواجه المشاريع الريادية في الأردن، وخصوصا ما يتعلق بالتشريعات والقوانين والضرائب ومساعدة الشركات على التوسع وتوفير الدعم والتمويل بأسس عادلة".
وأكدت المديرة التنفيذية لمؤسسة "انتروجيت" المعنية بتعليم ريادة الأعمال لليافعين سمر عبيدات، أهمية "ريادة الأعمال" التي تسهم في ابتكار المشاريع الريادية وفي التوظيف إن نمت وتوسعت، إلا أنها ترى أن ريادة الأعمال محليا ما تزال تعاني من قلة الدعم المالي وقلة الخبرة بالسوق واحتياجاته من الأفكار والمنتجات.
وأشارت عبيدات الى تحدي صغر حجم السوق المحلية، ما يظهر أهمية دعم الشركات الريادية للتوسع في أسواق جديدة وتوفير الدعم المالي والتسويقي لها.
وترى عبيدات أن الأردن ما يزال "غير جاهز" في قطاع ريادة الأعمال ويحتاج الى الكثير من العمل، وخصوصا على الموارد البشرية؛ حيث إن هناك الكثيرين لا يفهمون ريادة الأعمال ولا يعرفون كيف يطورون فكرتهم، ويحولونها الى مشروع.
وأكدت ضرورة تعزيز ثقافة ريادة الأعمال ودمجها في التعليم واستهداف ليس فقط الطلاب وإنما أيضا المعلمون والأهل، وذلك من خلال المناهج أو من خلال أندية متخصصة في تعليم الريادة، لخلق بيئة داعمة للريادة والتفكير الناقد.
وعلى مستوى الجامعات، أشارت عبيدات إلى أن بعض الجامعات طرحت تخصص "ريادة الأعمال"، إلا أنه يدرس بطريقة تقليدية بعيدة عن التطبيق العملي. واقترحت أن تقدم مشاريع التخرج كمشاريع ريادية، وألا تقدم كشاريع تخرج بل مشاريع ريادية، إضافة الى ضرورة تعزيز التعلم من خلال التجربة في ريادة الأعمال.
وكانت رؤية التحديث أكدت أن وضع الإبداع في جوهر الاقتصاد والتعليم والثقافة في الأردن، ووضع البلاد بوصفها مركزاً لتطوير الألعاب والرياضات الإلكترونية، ووجهة للأعمال السينمائية والمواهب الإبداعية الماهرة، ومركزاً للتفكير التصميمي والإبداع، والمحتوى العربي، هي أولويات لقطاع الصناعات الإبداعية.

اضافة اعلان