التعليم بين التبعية الثقافية وفقدان الهوية: دعوة لإعادة النظر في السياسات التعليمية

ا. د. هاني الضمور
ا. د. هاني الضمور
في خضم العولمة والمعاصرة، تواجه مجتمعاتنا تحديات كبيرة تتعلق بالحفاظ على هويتنا الثقافية وتراثنا الغني. يشكل النظام التعليمي في الجامعات أحد أهم أركان هذا الصراع. أصبحت العديد من جامعاتنا تعتمد على السياسات الغربية في توجهاتها وثقافتها، دون مراعاة للاحتياجات الفعلية لمجتمعاتنا. هل يمكن أن يؤدي هذا التقليد الأعمى للسياسات الغربية إلى فقدان هويتنا؟اضافة اعلان
لا يتناسب الاعتماد المفرط على النماذج الغربية دائمًا مع متطلبات مجتمعاتنا وثقافتنا. هذا التقليد يؤدي إلى خلق فجوة بين التعليم واحتياجات السوق المحلي، ما يفاقم مشكلات البطالة وعدم ملاءمة مخرجات التعليم لمتطلبات سوق العمل. هنا، يصبح السؤال: هل يمكننا الحفاظ على تراثنا الثقافي في ظل هذه التوجهات العالمية؟
نحن نجد أنفسنا في موقف حرج حيث ينسحب البساط من تحت أقدامنا دون أن ندرك ما يحدث حولنا. تحت مفهوم العولمة والمعاصرة، نجد أنفسنا في مهب الريح، لا قيمة لتراثنا وقيمنا حتى يصبح الشخص يتعرى من هويته. فمن لا هوية له لا يستحق الحياة. هل هذا ما تريده القوى العالمية؟ أن نكون أتباعًا وعبيدًا لثقافتهم؟
ومع ذلك، فإن هذا لا يعني أننا يجب أن نغلق أبوابنا أمام ما هو جديد. بل على العكس، ينبغي علينا الاستفادة مما هو جديد والاطلاع عليه وتمحيصه بما يتناسب مع ثقافتنا وهويتنا. كيف يمكننا أن نوازن بين الاستفادة من التطورات الحديثة والحفاظ على هويتنا؟
التعليم ليس مجرد أداة لنقل المعرفة، بل هو وسيلة لإعداد الأجيال القادمة لتحمل المسؤوليات والمساهمة الفعالة في تطوير مجتمعاتهم. فما هو الدور الذي يمكن أن تلعبه المؤسسات التعليمية في هذا السياق؟
تلعب المؤسسات التعليمية دورًا محوريًا في تحقيق توازن بين الاستفادة من التطورات الحديثة والحفاظ على الهوية الثقافية. هل يمكن تطوير مناهج تعليمية محلية تعزز الهوية الوطنية وتحتوي على أحدث المعارف والعلوم العالمية؟ ماذا عن دعم البحث العلمي الذي يستهدف حل مشكلات محلية ويأخذ في الاعتبار السياق الثقافي والاجتماعي للمجتمع؟ كيف يمكن تشجيع الابتكار والإبداع بين الطلاب والمدرسين  وتوفير بيئة تعليمية محفزة تدمج بين المعرفة التقليدية والحديثة؟
تتطلب الشراكات مع القطاع الخاص تعاونًا لتوفير فرص تدريبية وعملية للطلاب تساهم في إعدادهم لسوق العمل، مع الحفاظ على القيم الثقافية والمجتمعية. كيف يمكن تعزيز الهوية الوطنية من خلال الأنشطة الثقافية والمجتمعية، مع الانفتاح على الثقافات الأخرى بشكل نقدي وبنّاء؟
ولكن، ما هي أوجه العيوب في تبني هذه السياسات الغربية دون تمحيص؟
أحد العيوب الرئيسة هو فقدان الهوية الثقافية. عندما يتم تبني سياسات تعليمية لا تتناسب مع ثقافة المجتمع المحلي، يتم تهميش التراث والقيم المحلية. على سبيل المثال، قد يتم تدريس مناهج لا تعكس التاريخ أو الأدب المحلي، مما يؤدي إلى جيل من الطلاب يشعر بالانفصال عن جذوره الثقافية.
ثانيًا، عدم الملاءمة مع احتياجات السوق المحلي. السياسات التعليمية الغربية قد لا تلبي احتياجات سوق العمل المحلي، مما يترك الخريجين دون المهارات اللازمة للتوظيف في بلادهم. على سبيل المثال، التركيز على مجالات مثل الفنون الحرة في حين أن السوق المحلي يحتاج إلى المزيد من المهارات التقنية والمهنية.
ثالثًا، تضخم التوقعات وعدم الواقعية. الطلاب الذين يتعلمون ضمن أنظمة تعليمية غربية قد يطورون توقعات غير واقعية حول الفرص المتاحة لهم في بلدانهم، مما يؤدي إلى خيبة الأمل والهجرة الجماعية. مثال على ذلك هو الطلاب الذين يدرسون الأعمال التجارية وفقًا لنماذج غربية ويتوقعون نفس مستوى الرواتب والفرص المتاحة في الغرب، لكنهم يصطدمون بواقع مختلف تمامًا في بلدانهم.
رابعًا، تقويض الابتكار المحلي. التركيز على النماذج الغربية يمكن أن يؤدي إلى إهمال الابتكارات المحلية والحلول التي تكون أكثر فعالية في السياق المحلي. مثلاً، الاعتماد على التكنولوجيا الغربية بشكل مفرط يمكن أن يغفل عن الحلول التقنية التي تناسب بشكل أفضل البيئة المحلية والاحتياجات الخاصة.
لذلك، ينبغي أن نعيد النظر في سياساتنا التعليمية ونضع رؤية شاملة ترتكز على تعزيز الهوية الوطنية والابتكار، وتوفير بيئة تعليمية تفاعلية ومحفزة تُخرج أجيالاً مبدعة ومؤهلة لمواجهة تحديات المستقبل بثقة وكفاءة. المحافظة على تراثنا الثقافي ليس خيارًا، بل هو ضرورة لحفظ هويتنا وضمان استمرارنا في مواجهة تحديات العولمة. فهل نحن مستعدون لمواجهة هذه التحديات والوقوف أمام تيار العولمة بثقة؟
بهذا ندعو جميع القائمين على التعليم وصناع القرار إلى تبني سياسات تعليمية محلية تعزز من الهوية الوطنية وتتكامل مع متطلبات العصر، لنضمن لأبنائنا مستقبلاً يليق بتطلعاتهم وطموحاتهم، وفي نفس الوقت نكون منفتحين على الاستفادة من كل ما هو جديد ومفيد بما يتناسب مع قيمنا وثقافتنا. هل سنتمكن من تحقيق هذا التوازن الصعب؟
*رئيس جامعة آل البيت سابقا