التفرقة وتصدير الأزمة.. سلاح إسرائيل المتجدد

د. ابراهيم بدران
د. ابراهيم بدران
بعد أكثر من ثمانية أشهر من الحرب الوحشية في غزة وحربها غير المعلنة في الضفة الغربية، تلجأ إسرائيل إلى سلاحها التقليدي والذي تستعمله منذ قيامها عام 1948 وتستعمله الصهيونية ويجددونه على مدى العقود، ألا وهو «بث التفرقة بين الصفوف وتصدير الأزمة إلى الخارج». وهذا ما يبدو أنه النجاح الذي يمكن أن يغطي على الفشل العسكري أمام المقاومة الفلسطينية بكل فصائلها ومكوّناتها. نعم قتلت إسرائيل أكثر من 37 ألف شهيد في غزة وأكثر من 1000 شهيد و8500 معتقل في الضفة، ودمرت البيوت والمدارس والمستشفيات وكل مرافق الحياة في غزة، وتعمل على ذلك بخبث في الضفة الغربية. وسط هذه الملحمة الإنسانية الرائعة التي يسطرها الفلسطينيون في غزة والضفة، وتحرك العالم أجمع وخاصة الشباب وطلاب الجامعات للمطالبة بوقف الحرب والحرية لفلسطين وصدور قرارات المحكمة الدولية بوقف الحرب وتوالي اعترافات الدول بدولة فلسطين، وسط كل ذلك تخرج أصوات رسمية فلسطينية وعربية لتلقي باللوم على المقاومة وعلى حماس بشكل محدد، وتذهب إلى التشكيك الهلامي،  وتدعي انه لولا هجوم 7 تشرين الأول ضد إسرائيل لما وقعت هذه الحرب بما فيها من قتل ودمار وإزهاق أرواح. وانجرف البعض مع الدعاية الإسرائيلية ليفسر ما يجري بأنه حرب بالوكالة بين إيران وإسرائيل، أدواته ووقوده الفلسطينيون. وهكذا، بدلا من الوقوف خلف الشعب الفلسطيني بصلابة كما يفعل الأردن، ودعم المقاومة بثقة، بغض النظر عن أصلها وفصلها، ينساق البعض إلى تلقف الأزمة التي تصدرها إسرائيل. وهذا الانسياق يثير عددا من الأسئلة، ليس دفاعاً عن طرف مقابل طرف، أو فصيل مقابل فصيل، وإنما لاستيعاب السيرورة التاريخية التي نحن بصددها ومستقبلها. أولاً: منذ قيام الكيان الإسرائيلي على الأرض الفلسطينية ارتكبت إسرائيل منذ العام 1937 وحتى اليوم أكثر من (965) مذبحة في المدن والقرى والتجمعات راح ضحيتها أكثر من (13000) شهيد كان آخرها المذابح اليومية الجارية في غزة. ثانياً: كم عدد المقابر الجماعية التي نفذتها إسرائيل سراً وعلنا؟ وكم مقبرة جماعية نفذها الفلسطينيون ضد اليهود؟ ثالثاً: كم عدد القرى التي دمرتها إسرائيل ومسحتها عن الخريطة؟وكم عدد القرى اليهودية التي دمرها الفلسطينيون أو العرب مجتمعين. رابعاً: كم عدد المذابح التي ارتكبتها إسرائيل ضد اللاجئين الفلسطينيين في مخيماتهم في فلسطين ولبنان وسورية وغيرها؟ وماذا يقابلها لدى الفلسطينيين؟ خامساً: كم عدد الشخصيات السياسية الفلسطينية والعربية والدولية التي اغتالتها العصابات الصهيونية منذ العام 1948 ولا تزال تغتال، وكم عدد الاغتيالات التي ارتكبها الفلسطينيون ضد شخصيات يهودية أو دولية. سادساً: منذ اتفاقية اوسلو للسلام قبل 30 عاما، والتزام الفلسطينيين والعرب بالسلام و الاعتماد على الوسائل السياسية ومنظمات المجتمع الدولي، أقامت إسرائيل في قلب الأراضي الفلسطينية المحتلة بعد العام 1967 وبدعم وتمويل أمبركي أكثر من 244 مستوطنة وبؤرة استيطانية ونقلت إليها 600 ألف مستوطن. وفي القدس الشرقية وجدها أسكنت  200 ألف مستوطن متعصب بعضهم اغتصب ولا يزال يغتصب بيوت المقدسيين واستباحت الأقصى. وماذا يقابل ذلك عند الفلسطينيين؟ سابعاً كم قرار صدر عن الأمم المتحدة يطلب من إسرائيل إنهاء الاحتلال والالتزام بقرارات مجلس الأمن و كم قرار صدر ضد الفلسطينيين؟ ثامناً: كم عاما حاصرت إسرائيل غزة وحولتها إلى أكبر سجن في العالم؟ وكم حربا شنت عليها؟ وكم  طفل وامرأة قتلتهم إسرائيل منذ العام1967 حتى اليوم؟ قتلت في غزة، منذ 7 تشرين الأول أكثر من 15 ألف طفل وأكثر من 8 آلاف امرأة، وبالمقابل كم طفلاً وامرأة قتلت المقاومة الفلسطينية. تاسعاً: هل هناك قرية أو بلدة واحدة في الضفة الغربية لم تهاجمها إسرائيل أو تنتهك أجزاء منها منذ 1967 حتى اليوم؟ وفي عين الوقت تصادر السلطات الإسرائيلية أموال الضرائب التي يدفعها الفلسطينيون وتصادر الأراضي وتدمر البيوت، ومستوطنوها يقتلعون الأشجار ويدمرون الآثار في الضفة دون توقف وبدون حماس. عاشرا: هل مرّ يوم منذ عام 1948 لم تتحرك فيه الجرافات الإسرائيلية لتدمير منزل فلسطيني أو انتهاك حرمة مسجد أو كنيسة أو حي أو مدرسة؟ اضافة اعلان
بعد أن احتل الكيان الصهيوني فلسطين واغتصب أكثر من 80 % من أراضيها التاريخية واستعد الفلسطينيون للقبول بـ 20 % من أرضهم، هل اكتفت إسرائيل بهذه الاغتصابات؟ هل اقتنعت إسرائيل بالسلام؟ كلا وكلا. أليس كل ذلك برهان قاطع على أن إسرائيل في طريقها إلى التهام كامل فلسطين وتهجير سكانها؟ فماذا يفعل الفلسطينيون في النهاية؟ لم تترك إسرائيل أي خيار للفلسطيني إلا واحداً من ثلاثة كما قال وزراؤهم وقادتهم: الاستسلام أو التهجير أو القتل. بينما تبين للعالم وبكل قوة أن لدى الفلسطيني خيارا رابعا هو المقاومة. وهذا يعني أنه ليس أمام الفلسطيني إلا المقاومة، وإلا أكله الإسرائيلي قطعة قطعة ويوما إثر يوم. وحسب التجارب التاريخية في العالم فإن المستعمر لا يتوقف عن جشعه إلا بالقوة وبالتضحية الباهظة الكلفة والتي يحدد حجم الضحايا فيها مقدار شراسة العدو ووحشيته. هل يريد المتشككون مزيدا من السنوات والأعمال حتى يقتنعوا بأهداف إسرائيل؟ إن المقاومة بأشكالها المختلفة تفرضها سياسات إسرائيل العنصرية الاستعمارية وإجراءاتها النازية المتواصلة، وتقتضيها تصريحات قادتها منذ أكثر من 100 عام. وهذا يدفع بالمقاومة للاستعانة بأي وسيلة تساعدها على الخلاص من افتراس الوحش الإسرائيلي لها، حتى لو استعانت بالشيطان كما قال تشرشل. أن تستعين المقاومة بأصدقاء وحلفاء لتنجو وينجو شعبها ومقدساتها وتاريخها وتراثها وكرامة شعبها حق لها، تماما كما يستعين عدوها بحلفاء له.
 لقد كان أنطونيو غوتيرش على حق ووعي وصدق حين قال: «إن أحداث 7 تشرين ما هي إلا نتيجة تراكمية لاحتلال دام 75 سنة». آن الأوان أن تتوقف الملاومات والمجادلات والتراشقات والاتهامات والتأويلات ويتجه السياسي الفلسطيني والعربي والدولي إلى دعم صمود الفلسطينيين ودعم المقاومة ومناصرة حقوقهم المشروعة بكل الأدوات، وعدم استقبال البضاعة الإسرائيلية السامة. فالمستقبل صعب أمام الجشع الاستعماري الذي لا يشبع، والأوطان أغلى من أي ثمن.