التمويل الأصغر.. لكي لا نقع في ورطة ‘‘المرابي المرخص‘‘

أحمد أبو خليل

عمان - أبدأ بحادثة عمرها نحو 10 سنوات كتمهيد: فقد طلبت مني إحدى شركات التمويل الأصغر تقديم استشارة حول برنامج إقراض كانت تنوي عرضه، موجه لفئة معلمي المدارس خصيصا. وكنت قد فهمت أن للشركة هدفا تنمويا وأنها في الأصل تسعى لكي يصنف عملها ضمن نشاط "بنوك الفقراء" وهو الاسم "الترويجي" الذي زعم أغلب نشاط الإقراض الصغير على مستوى العالم أنه يتبناه ويهدف إليه كغاية نبيلة.اضافة اعلان
أجريت حينها البحث الميداني اللازم، إذ نظمتُ عدة مقابلات فردية وجماعية مع معلمين في العاصمة وفي محافظة اربد كنموذج، وشمل ذلك حالات من قطاعي التعليم الخاص والحكومي، كان السؤال "المفتاح" هو حول الوسائل التي يعتمدها المعلمون في تلبية احتياجاتهم المالية، وذلك بهدف التعرف في النهاية إن كانت تلزمهم خدمة الإقراض الصغير.
بالنتيجة توصلت إلى أن المُعلم عموماً هو إنسان "مُدبّر"، أي انه يدير إنفاق دخله بحرص ويعتبر الإقتراض خيارا أخيرا، وبالمقابل اتضح أيضا أن المعلمين عموما يقترضون ولكن بوسائل خاصة لها بعد اجتماعي، مثل الاشتراك في "الجمعيات"، وهي أسلوب اقتراض بلا فوائد لأنها في الأصل وسيلة توفير، وحتى في حالة الاحتياجات الضرورية، فإن العلاقات اليومية للمعلمين فيما بينهم جعلتهم يتوصلون إلى وسيلة لتمويل مشترياتهم بفوائد أقل ومرونة في التسديد قائمة على الثقة المتبادلة، وذلك عن طريق قيام مبادرين أكثر اقتدارا ماليا بتوفير السلع مقابل فائدة معقولة، وينخرط المعلمون في كثير من الأحيان بعلاقات تضمن لهم الحصول على القروض بأقل التكاليف المالية والاجتماعية. وفي ختام تقريري أشرت إلى أن المعلمين مثلهم مثل باقي الموظفين لا يعدمون وسيلة للوصول إلى البنوك التي ترحب بهم، وفي بعض الحالات تقوم بعض البنوك بزيارات إلى المدارس عارضة التسهيلات المالية أي القروض.
قدمتُ خلاصة بحثي للشركة متوقعا الإشادة والتقدير، أو على الأقل النقاش. لكن الشركة كما ظهر لي، فوجئت بالمنطق الذي اعتمدته، الذي قاد إلى تلك النتيجة المحبطة، إذ بدل أن أساهم في تحفيز الخطط والبرامج والمبادرات التي تبدعها الشركة، قدمت تهبيطا للعزائم. وبالنتيجة طُردت "خير طردة"، فقد أعطوني اتعابي المالية كاملة مع شكر "غير جزيل" لكنه كان كافيا لإيصالي إلى الباب الخارجي... كان هذا قبل 10 سنوات كما أشرت مسبقا.
سيرة محلية
قد تكون عمليات الإقراض المتناهي الصغر من أقدم العمليات المالية التي تمارس في بلدنا وفي غيره من البلدان المماثلة، لكنها كانت تجري على المستويات المحلية، وحتى عندما بدأت الخدمة المصرفية تتطور وتنتشر، لم تمتنع البنوك عن تقديم القروض الصغيرة لمن يملك الضمانات الكافية، وقد طورت فروع البنوك علاقات خاصة تعتمد بدرجة كبيرة على خبرة المدير المحلي للفرع وخبرة موظفيه.
كان طالب القرض المتناهي الصغر غير الحائز على الضمانات الكافية والذي لا يتمتع بعلاقات اجتماعية توفر له هذه الخدمة، يقع احيانا أسيرا لصنف من المرابين القساة، منتشرين في شتى المدن والقرى، يعتمدون كضمان للسداد على شبكة علاقات سطوة وهيمنة وابتزاز وما شابه.
في هذه الأثناء، كانت تجري في بلد بعيد عنا في شرق آسيا هو بنغلادش بداية تجربة جديدة في ميدان الإقراض الصغير سوف يكون لها امتداد عالمي كبير سيحرفها مع مرور الزمن عن اهدافها.
فقد لاحظ أستاذ الاقتصاد في إحدى الجامعات البنغالية، واسمه محمد يونس، أن الفقير (وخاصة الفقيرة) في هذا البلد يحتاج لمبلغ صغير جداً لكي يباشر عملا خاصا يحميه من الوقوع في ابتزاز السوق، وكان المبلغ المطلوب في نموذج الإقراض الذي درسه، هو 27 دولاراً لمجموعة من الفقراء عدد أفرادها 42 شخصاً اغلبهم من النساء، أي بواقع أقل من دولار واحد للمقترض الواحد، وقد احتاج الأمر إلى سنوات من النقاش والجدال والصراع مع القطاع المصرفي الذي كان يرفض تقديم قرض بهذه القيمة لسيدة تريد ان تصنع طبقا من القش لتبيعه بدل أن تعمل لصالح التاجر.
طور الدكتور يونس فكرته، ونجح في تحديه للقطاع المصرفي، ثم حقق الاعتراف القانوني بنشاطه، وأسس بنكاً للإقراض الصغير باسم "بنك جرامين" وهو التجربة التي أخذت لاحقا مسمى "بنوك الفقراء".
كان جوهر الفكرة يقوم على أن الفقير قد لا يملك بالفعل الضمانات المالية المقنعة للسداد، ولكنه يملك صنفاً من الضمانات أكثر مدعاة للثقة وهو حياته المشروطة بظروف وعلاقات اجتماعية، وهناك الكثير من التفاصيل، غير أنه بالنتيجة توصل إلى فكرة القرض المضمون جماعيا واجتماعياً، بحيث تضمن المجموعة أفرادها، وذلك وفق نموذج اكتسب مع الزمن المزيد من الدقة، ويمكن لمن يرغب العودة إليه في أدبيات الإقراض الصغير التي تشكلت عبر أكثر من أربعة عقود لغاية الآن.
ظلت الفكرة في نطاق صغير، ولكنها منذ تسعينيات القرن الماضي شهدت توسعاً، كان يفترض أن تقوم كل دولة بتصميم نموذجها الخاص وفقاً لخصائص فقرائها ومجتمعهم وثقافتهم. غير أنه سرعان ما تبين أن القطاع يشكل ميداناً "للبزنس"، سوف يغري كثيرين حول العالم لتأسيس مؤسسات تضع نجاحها بصفتها شركات مالية هدفاً رئيسياً، وتتحول فكرة "بنك الفقراء" كعنوان للترويج وللحصول على تمويل لنشاط الشركات بأقل الفوائد، أي انها عن طريق هذا العنوان تحصل على مال رخيص وتبيعه للفقراء بأسعار عالية.
البنك المركزي يتدخل
مر أكثر من عقدين على بدء قصة الإقراض الصغير في الأردن. وفي العام 2015 أصدر البنك المركزي نظاماً خاصا اخضع بموجبه هذا النشاط لإشرافه ورقابته بمعنى أنه اعتبره جزءا من النشاط المصرفي، ولكن الموجه إلى فئات ذات وضع مالي خاص، بما يمكن القطاع من التخصص بنمط محدد من المقترضين من أصحاب الدخل المتدني أو الذين لا يتمكنون من الوصول إلى القطاع المصرفي (البنوك). لقد وضع البنك المركزي ذلك النظام سعياً لزيادة نسبة الشمول المالي التي يعتبرها البنك متدنية نسبياً.
دخل النظام حيز التنفيذ ابتداء من مطلع حزيران من العام 2015، ومن المنطقي أن يأخذ التطبيق الفعلي وتكييف المؤسسات العاملة لنفسها وفق متطلبات النظام الوقت الضروري، ولا تزال العملية قيد التنفيذ.
من أبرز ما يتضمنه النظام، هو النص على تحديد سقوف الفائدة والعمولات، غير أن النظام يعطي المؤسسات حرية التصرف إذا لم يعلن البنك المركزي ذلك، هذا يعني أن النظام تضمن حق البنك في التدخل بأسعار الفائدة أو (المرابحة الاسلامية بالنسبة لشركات الإقراض وفق الشريعة الإسلامية)، ولكن البنك لم يبدأ بتطبيق ذلك، بانتظار اكتمال عمليات التكييف.
إن إخضاع هذا النشاط لإشراف ورقابة البنك المركزي، أمر قد يحد، وينتظر أن يحد، من الأخطاء التي تمارس في هذا القطاع، فإلى حد ما أصبح النشاط الآن مصنفا كنشاط مصرفي بمستويات مالية دنيا، ولكن يفترض أن ينتبه البنك إلى أن تقاليد العمل القائمة داخل هذه المؤسسات لا علاقة لها إطلاقا بما هو قائم في البنوك القائمة، ويشمل ذلك المسميات الوظيفية والوصف الوظيفي للعاملين، كما يشمل التقاليد غير المكتوبة ولكن الممارسة بقسوة أحياناً في التحصيل، ويشمل حجم التموية في فكرة "تمويل المشروع" التي تحولت في الممارسة إلى طقس شكلي بالكامل، يجري وفق نموذج معد مسبقا كشرط لإتمام القرض.
خطوة البنك المركزي مهمة في ضبط القطاع، على الأقل فهي تحد من احتمال أن يتحول النشاط إلى صنف جديد من المراباة ولكن المرخصة هذه المرة.