الثورة الدوّارة

فرانز فان هوتين*

 

دافوس ـ في القرن السادس عشر، توصل عالِم الفلك نيكولاس كوبرنيكوس إلى اكتشاف عميق: فالشمس، وليس الأرض، هي مركز الكون المعروف آنذاك. في ذلك الحين، ندَّد كثيرون بتصور كوبرنيكوس باعتباره هرطقة ضد عقيدة مسيحية راسخة؛ وفي نهاية المطاف بالطبع، مهدت ثورة كوبرنيكوس الطريق إلى نظرة علمية جديدة للعالم ونحو تعزيز الرخاء البشري.

اضافة اعلان

واليوم، يحتاج العالم إلى نقلة نوعية مماثلة. ولكن النموذج الاقتصادي السائد هو الذي يجب أن يتحول هذه المرة.

بحلول العام 2030، سوف يقترب مجموع الطبقة المتوسطة العالمية من خمسة مليارات نَسَمة، وجميعهم سوف يتوقعون نفس النوع من الفرص ووسائل الراحة التي استمتع بها الأثرياء طويلا. وسوف يفرض هذا ضغوطاً متزايدة على البيئة ويستنفد مخزون العالم من الموارد.

والمشكلة هي أن العالم كان يتبنى لفترة طويلة تركيزاً يتسم بقِصَر النظر على إنتاج واستهلاك السلع بأبخس ثمن ممكن. والنتيجة هي اقتصاد خطي أحادي البعد يستند إلى الاستخدام السريع للسلع والتخلص منها واستبدالها.

ويتطلب الحفاظ على النموذج الحالي موارد غير محدودة ويسهل الحصول عليها وفضاءً لا نهاية له من النفايات، وهو أمر غير ممكن بكل وضوح. والواقع أن العواقب المترتبة على اقتصادنا القائم على الاستخدام الواحد ثم التخلص من السلع، ارتفاع مستويات ثاني أكسيد الكربون إلى عنان السماء، وكميات من النفايات يستحيل التعامل معها، وصعوبة استخراج الموارد على نحو متزايد، على سبيل المثال لا الحصر، أصبحت واضحة بالفعل.

ولإيجاد بديل مستدام، فما علينا إلا أن ننظر إلى الطبيعة، حيث لا يُهدر أي شيء. فالغابات على سبيل المثال أنظمة كاملة الكفاءة، حيث تتناغم دورات حياة الأنواع تماماً مع المواسم. وهذا من شأنه أن يعزز مستويات من المرونة والقدرة على الصمود وطول العمر التي يتعين على النظم الاقتصادية أن تسعى جاهدة إلى محاكاتها.

وتماماً كما تعيد النظم الإيكولوجية استخدام كل شيء في دورة فعّالة وهادفة، فإن النظام الاقتصادي «الدوّار» من شأنه أن يضمن تصميم المنتجات بحيث تصبح جزءاً من شبكة القيمة، والتي من خلالها يمكن إعادة استخدام وتجديد المنتجات والمكونات والمواد على النحو الذي يضمن إعادة استغلال الموارد بشكل مستمر.

بطبيعة الحال، يتطلب بناء الاقتصاد الدوار إعادة هيكلة جوهرية لسلاسل القيمة العالمية. فبدلاً من بيع المنتجات، تحتفظ الشركات بملكيتها وتبيع حق الانتفاع بالسلع التي تصنعها كخدمة. إن بيع منافع المنتجات بدلاً من المنتجات ذاتها من شأنه أن يخلق حافزاً قوياً يدفع المنتجين إلى تصميم منتجاتهم كسلع معمرة صالحة للاستخدام المتكرر وإعادة التدوير في نهاية المطاف، وهذا كفيل بتمكينهم من الاستخدام الأمثل للموارد.

وهذا يتطلب جيلاً جديداً من المواد، وكذلك عمليات تنمية وإنتاج خلاقة. والأمر يتطلب أيضاً نماذج أعمال جديدة، وإعادة تعريف مفهوم الملكية القانونية والانتفاع، وقواعد جديدة للعطاءات العامة، واستراتيجيات تمويل جديدة. وأخيرا، يحتاج الاقتصاد الدوار إلى خدمات لوجستية قادرة على التكيف وثقافة الزعامة التي تحتضن النظام الجديد وتكافئ التقدم نحو ترسيخه.

بعيداً عن الحتمية الأخلاقية، هناك حجة مالية قوية لصالح الانتقال إلى الاقتصاد الدوار؛ وهي على وجه التحديد الوعد بفرص تجارية تتجاوز تريليون دولار أميركي. ويتضمن هذا توفير المواد وزيادة الإنتاجية وإنشاء وظائف جديدة، بل وربما فئات جديدة من المنتجات والأعمال.

ولكن الشركات والأعمال التجارية غير قادرة على تحويل الاقتصاد وحدها. ومن أجل تحويل تركيز الشركات من تقليص التكاليف الأولية إلى تعظيم القيمة الإجمالية، وفي الوقت نفسه ضمان حماية صحة البشر ورفاهتهم، فيتعين على الحكومات أن تغير عمليات العطاء من خلال تنفيذ متطلبات التدوير، وبالتالي المساعدة في دفع الطلب على حلول جديدة.

وفي نفس الوقت، لابد أن يكون المستهلكون منفتحين على استخدام منتجات لا يمتلكونها. ولأن الاقتصاد الدوار نظامي بطبيعته، فمن غير الممكن أن ينجح إلا إذا اشترك كل أصحاب المصلحة في تصميم وإنشاء وامتلاك المنتجات والخدمات.

ومع وضع كل هذا في الاعتبار فإن شركتي تعكف الآن على إعادة تصميم منتجاتها وتنظر في كيفية الحفاظ على قيمتها المتبقية. ومن ناحية أخرى تتحول شركتي من نموذج تجاري قائم على الصفقات إلا نموذج قائم على العلاقات ــ والذي يستلزم التعاون الأوثق مع المستهلكين والموردين. كما تعمل على تغيير ثقافة التعاون للتأكيد على الحلول الطويلة الأجل. ولن يكون تنفيذ أي من هذه التغيرات سهلاً ولكنها جميعها ضرورية.

ومثل كل التحولات الكبرى في تاريخ البشرية فإن التحول من الاقتصاد الخطي إلى الاقتصاد الدوار سوف يكون صاخباً ومضطربا. وسوف يبرز العديد من الرواد والرافضين، والانتصارات والنكسات. ولكن إذا قام كل من الشركات والحكومات والمستهلكين بالأدوار اللازمة فإن الثورة الدوارة من شأنها أن تضع الاقتصاد العالمي على مسار النمو المستدام الطويل الأجل ــ وبعد خمسة قرون من الآن، سوف ينظر الناس إلى الأمر برمته باعتباره ثورة لا تقل حجماً وتأثيراً عن ثورة كوبرنيكوس.

 

 

*الرئيس التنفيذي لشركة رويال فيليبس.

خاص بـ"الغد" بالتعاون مع بروجيكت سنديكيت.