"الحصن": بلدة تاريخية استوطنتها حضارات عديدة

عمان-الغد- تقع بلدة الحصن على بعد 8 كيلو مترات إلى الجنوب من مدينة إربد الواقعة شمال المملكة الأردنية الهاشمية على الطريق الذي يربط عروس الشمال بالعاصمة عمان إذ يقسمها هذا الطريق إلى شطرين ؛ الشرقي والغربي.اضافة اعلان
ويعتقد العلماء أن الحصن هي نفسها "ديون" التي ازدهرت في العصر الهللنستي والروماني ويدل على ذلك كثافة الاستقرار الهللنستي والروماني في منطقة التل وحوله بالإضافة إلى وجود آثار رومانية منتشرة بين البيوت ووجود البركة الرومانية التي تقع في الجنوب الغربي من الحصن والكشف عن أبنية كنائس أرضياتها من الفسيفساء برسوم نباتية وحيوانية في جبال الحصن الشرقية.
والحصن تقع في بقعة جبلية مطلة من الغرب على الطريق المؤدي إلى محافظة عجلون وقضاء المزار الشمالية، ثم تبدأ بانحدار نحو الشرق حتى تصل إلى واد قليل العمق منبسط الجوانب، تبدأ بعده بالارتفاع التدريجي نحو الشرق حتى تصل إلى مشارف الجبال المطلة على مدينة الرمثا والطريق المؤدي إلى محافظة المفرق.
وتعني "الحصن" لغويا كل موضع حصين لا يوصل إلى جوفه والحصن أيضا الهلال أو السلاح أو الخيل أو القفل.
ويتميز تل الحصن بكبر حجمه إذ تبلغ مساحته 99 دونما، كما يرتفع حوالي 660 مترا عن سطح البحر ويرتفع حوالي 26 قدما عن سطح الأرض.
وتم التنقيب الأثري في التل في المواسم 2008  و2009  والجهة التي قامت بالتنقيب في التل هي جامعة اليرموك وشارك في الحفرية مجموعة من طلبة كلية الآثار والأنثروبولوجيا، وكشف موسمي التنقيب عن مجموعة من الآثار كان أهمها المسجد الأموي والحصن الأموي.
مراحل الاستقرار القديم في تل الحصن
العصور الحجرية: ترجع أقدم فترات الاستقرار في التل إلى العصر البرونزي حوالي 3000 ق.م، كما أنه شهد فترات استقرار متعاقبة ابتداءً من العصر البرونزي، والحديدي، والهللنستي، والروماني، والبيزنطي، والفترات الإسلامية المتأخرة.
لعب التل دورا مهما في الفترات التاريخية حيث تبرز أهميته في العصر البرونزي الحديث (المتأخر) 1550-1200 ق.م، ويظهر ذلك من خلال كثافة الاستقرار في التل وحجمه، ففي الدور الأول من العصر البرونزي المتأخر 155 0 - 1410 ق.م لعب التل دورا بارزا وذلك خلال حكم الفرعون المصري تحتمس الرابع أحد ملوك الدولة المصرية الحديثة، واستمرت أهميته في الدور الثاني من العصر البرونزي المتأخر 1410 - 1340 ق.م، وهي الفترة المعروفة باسم فترة العمارنة.
وكان تل العمارنة عاصمة الدولة المصرية الحديثة التي عثر في مكتبتها على العديد من الرقم الطينية ذات الكتابات المسمارية التي تمثل مراسلات ملوك مصر بغيرهم من ملوك دول الشرق الأدنى القديم، كما تناولت هذه الرقم معلومات عن تاريخ الأردن في هذه الفترة.
أما في الدور الثالث من العصر البرونزي المتأخر 1340 - 1200 ق.م، وخلال حكم الأسرة المصرية التاسعة عشرة، فكان الحصن منطقة زراعية خصبة اشتهرت بزراعة الحبوب والعنب والزيتون في تلك الفترة، الأمر الذي جعلها محط أطماع ملوك مصر القديمة، بالإضافة إلى أهميتها الاستراتيجية والعسكرية.
واستمرت أهمية التل خلال العصور الحديدية 1200- 539 ق.م وخاصة خلال الدور الأول الذي تميز بقلة المعلومات عنه في منطقة شمال الأردن، إلا أن التل لعب دورا خلال هذه الفترة، وذلك من خلال ما كشف عنه من مبان متعددة تعود إلى هذا العصر، ويعزز ذلك أيضا وجود مملكة باشان إحدى الممالك الآرامية التي اشتهرت في العصر الحديدي.
وفي الفترة الإسلامية وبعد أن فتح المسلمون بلاد الشام واتخذ الأمويون من دمشق عاصمة لهم، بقيت الحصن ذات مكانة مهمة، فقد كان الخلفاء يقضون أوقات راحتهم في مناطق الأردن مع حاشيتهم، ومن بين هذه المناطق الحصن، فقد ذكرها الشعراء ومنهم الشاعر الأموي عدي ابن الرقاع العاملي الذي يذكر موضعين من الحصن هما مقدية والحصن سميت بذلك عندما سكنها العرب لأول مرة العام 1306 م وتحصنوا بتلها.
والاسم السابق لها هو "ديون" إحدى المدن العشر، وكان بعضهم يرجع تسمية "الحصن" نسبة إلى "الحصيني أحد الأولياء الصالحين المتوفى العام 1451 م، إذ قام السكان بإطلاق هذه التسمية تيمنا به وتقربا منه.
كما ذكرت الحصن من قبل بكينجهام؛ ووصفها بأنها تقع عند أسفل التل، وتنتهي عند النهايات الغربية للسهل، يشير الرحالة ليندسي (إلى أنه مر بقرية الحصن العام 1847 م، وفي العام 1895 م قام سيتيزن (بزيارة الموقع، وأشار أيضا إلى أن الحصن هي البلدة الرئيسة في بني عبيد، وأن التل يقع جنوبي إربد، كما شملت المنطقة في المسوحات الأثرية التي قام بها نلسون جلوك (في المنطقة، وذكرها ضمن المواقع التي ترجع إلى فترة العصر البرونزي والحديدي.
ويرى ماكدونالد (أن تل الحصن هو تل اصطناعي يقع إلى الجنوب من مدينة إربد، قام لانكستر هاردنج) بزيارة الموقع وعمل مسوحات أثرية، كما ذكر هاردنج تل الحصن في كتابه آثار الأردن، مشيرا إلى وجود كتابات ونقوش تدل على وجود التل أيام الرومانيين والبيزنطيين، وإلى أن مدينة ديون إحدى المدن العشرة (الديكابوليس) التي لم يكشف عنها بعد هي مدينة الحصن.
وفي العام 1960 م قامت روث أميران (وضمن دراستها لفخار العصر البرونزي الوسيط ) في فلسطين (تل المتسلم وتل بيت مرسيم والحصن وتل عفيف) بدراسة فخار الكهف الذي يبعد 1 كم جنوب التل حيث عملت على تقسيمه إلى الفترات الزمنية من حيث الجغرافية والأشكال ومن ثم تقسيمه إلى تقسيمات فرعية أخرى.
كما قامت أيضا بدراسة مفصلة للفخار حسب الأشكال والزخارف وتقنية الصنع.
وفي العام 1977 م قام زيدان كفافي بدراسة فخار الكهف الذي يبعد 1 كم جنوب التل ضمن دراسته لفخار العصر البرونزي المتأخر في الأردن.
أهم المكتشفات الأثرية في الموقع
إن أهم المكتشفات التي أظهرتها أعمال التنقيب الأثري في الموسم الأول عثر عليها فوق سطح التل، وهي الكشف عن حصن أموي (قلعة) مربع الشكل يبلغ طول ضلعه حوالي 100 متر، وبنيت على زوايا الحصن الأربع أربعة أبراج مستطيلة الشكل، ويبدو أن هذا الحصن قد لعب دوراً عسكرياً مهماً خلال الفترة الأموية، ويدل وجود مثل هذا الحصن العسكري على أهمية الأردن في تلك الفترة، كما يعد هذا الحصن العسكري الذي كشف عنه في منطقة الحصن فريداً من نوعه ومتميزاً عن غيره من الحصون العسكرية التي عرفت خلال الفترة الأموية.
المسجد الأموي
ومن المكتشفات التي تؤرخ إلى العصر الأموي مسجد صغير احتوى محراباً في منتصف جداره الجنوبي، ويقع على بعد عدة أمتار إلى الغرب من بوابة الحصن (القلعة) الرئيسية الواقعة في الجهة الجنوبية من التل، ويتسع المسجد لحوالي عشرة مصلين، وربما كان يخدم مجموعة من الجنود المسؤولين عن حراسة بوابة الحصن.
وتشير المكتشفات إلى أن هذا المسجد كان مسقوفا بقبة بدليل العثور على أربعة أعمدة في زواياه استخدمت لحمل القبة
وتم دراسة فخار الموسم الأول 2008 م وذلك بأخذ مجموعة من العينات الفخارية التي وصل عددها إلى خمسين قطعة، والتي تمثلت بكسر لزباد، وجرار، وأباريق، وقواعد، ومقابض، وأسرجة، وصنابير، مع الأخذ بعين الاعتبار التنوع في الطبقات الأثرية التي أخذت منها، والاختلاف في الألوان، والمسامية، والصلابة.
وتبين أن هذه الفخاريات تعود للعصر الروماني والبيزنطي.
المقبرة البئرية
تبعد المقبرة حوالي 50 م شمال شرق تل الحصن، وحوالي 10 م إلى الشرق من الطريق المعبد الذي يربط إربد بالحصن، وتعد المقبرة من المقابر البئرية التي انتشرت في العصور البرونزية، ولها مدخل رئيسي، فوهة مقطوعة في الصخر الطبيعي، يبلغ قطرها 1.8 م، والارتفاع 2.5 م، وتؤدي في نهايتها إلى أربعة مداخل في الاتجاهات الأربعة، وكانت تغلق بحجارة بشكل محكم.