الدراسات العليا والبحث العلمي في الجامعات.. فرص وتحديات

د. حمود عليمات - (أرشيفية)
د. حمود عليمات - (أرشيفية)
يشكل البحث العلمي أحد أبرز الوظائف المتعارف عليها للجامعات والمعاهد العلمية، وهي التعليم والبحث العلمي وخدمة المجتمع، وإن تقدم الأمم وحضورها المعاصر لا يكون إلا بما تقدمه من إسهام في العلم والمعرفة الإنسانية؛ لذلك تتسابق الدول المتقدمة أو التي في طريقها إلى التقدم في الإنفاق على البحث العلمي والتطوير والابتكار ودعمها بكل السبل الممكنة.اضافة اعلان

إن الاهتمام بالبحث العلمي والنشر، والعالمية، ومن ضمن ذلك الحوافر التي تقدمها الجامعات للباحثين، والتي تبديها الجامعات وبخاصة الجامعة الأردنية. هذه الإجراءات وهي في المسار الصحيح في تحقيق وظائف الجامعات وفي تسنم المكان اللائق بها، فالجامعات والأردنية في مقدمتها ترتكن كما هائلا من مكنوز الخبرات والطاقات البشرية ذات الكفاءة العالية، أساتذة وطلبة، والمقترح المقدم هنا، يأتي في هذا السياق ولكن بنظرة كبرى تنظر إلى الجامعات والجامعة الأردنية (خاصة)، بما هي وبما فيها، وبما يمكن أن ينتج من تعظيم نتاج مواردها الهائلة.

يشكل طلبة الدراسات العليا وحديثو التخرج منها، العنصر البشري الرئيسي في حمل أعباء البحث العلمي بتوجيه من أساتذتهم ومن خلال الفرق البحثية التي ينتظمون فيها، حيث إنه وفي الجامعات العالمية المرموقة يقوم البحث فيها بدرجة كبيرة على طلبة الدراسات العليا، فهم مكون هام من منظومة البحث العلمي فيها، ويقبل طلبة الدراسات العليا ضمن منظومات ومشاريع بحثية قائمة، وبالتالي فإن جهودهم هادفة وفي مسار علمي محدد.

فطلبة الدراسات العليا هم الطاقم الضروري لتقدم البحث العلمي ومن الصعب أن يتقدم البحث العلمي في أي جامعة بغياب هذه الطاقات البشرية الواعدة، ويشير الوضع الراهن في عدد من الجامعات العربية إلى الانفصال بين الدراسات العليا والبحث العلمي، فكل له مسار خاص به، وهذا الوضع يبدد موارد هائلة بالإمكان وبحسن الترشيد والتنظيم أن تكون سندا قويا للبحث العلمي. لا بد للجامعات أن تعيد النظر في التقاليد الأكاديمية والنظم، التي يمكن أن تكون عاملا في هذا الوضع، وأن تعمل على اغتنام واستثمار أي مورد أو مصدر قوة للجامعة بشريا كان أو علائقيا أو ماديا.

ومحاولة لتجاوز الفصام بين الدراسات العليا والبحث العلمي، فأدناه توصيف لما يمكن عمله، وبما يحقق التلاقي بين التخصصات المتعددة والنشاطات البحثية البينية؛ وهي بإيجاز: (1) استحداث منظومات بحثية متخصصة تتناول قضايا جوهرية من اهتمامات الجامعة وتعكس الأولويات الوطنية والعالمية المستجدة، و(2) تشكيل فرق أو مجموعات بحثية تعمل على المنظومات البحثية، و(3) إدماج طلبة الدراسات العليا في الفرق البحثية بحيث ينجزون رسائلهم وأبحاثهم ضمنها.

استحداث منظومات البحث العلمي المتخصصة

إن غاية البحث العلمي الأساسية هي خدمة المجتمع وترقيته وحل مشكلاته، فلا بد أن تكون قضايا البحث العلمي منطلقة من الواقع الوطني المحلي والعربي بكافة أحواله ومتطلباته. توجد قضايا كثيرة على المستوى الوطني (وربما العربي والإنساني)، والتي يمكن التوافق عليها على أنها كبريات الاهتمامات البحثية (مثل قضايا بناء المجتمعات، وحل الصراعات، وقضايا الطاقة والمياه، والمشكلات الأسرية والشبابية، والبطالة، والتنمية الاقتصادية والاجتماعية، والأمراض المستعصية والمزمنة، وقضايا التعليم العام والعالي...). ولا تتحقق هذه الغايات بالطرق التقليدية للبحث في الجامعات، وبخاصة مع انفرادية الدراسات العليا والأبحاث بما فيها أبحاث الترقية.

لذلك يلزم استحداث منظومات بحثية كبرى في أي جامعة، على شكل قطاعات كبرى (مثلا: الطب والعلوم المتعلقة به، والهندسة والعلوم، العلوم المهنية، الآداب والعلوم الإنسانية والاجتماعية). ينبثق منها مجاميع بحثية متخصصة، ومتداخلة التخصصات. وذلك بحيث يكون لكل وعلى مستوى الأقسام أيضا (مشروع أو مشاريع بحثية مركزية)  تنبثق منه عناقيد Clusters من الأبحاث الفرعية المتنوعة تتكامل لإنجاز علمي تراكمي في مجالات محددة ومفيدة. كما يمكن أن تتسع منظومة البحث العلمي وعناقيده الفرعية ليتشارك فيها باحثون من جامعات ومؤسسات وطنية وعالمية متعددة ذات اهتمام مشترك. وهذا التنظيم البحثي في الغالب هو الذي يحظى بالدعم والتمويل على مستوى المؤسسات التي تدعم البحث العلمي. وبهذا يمكن أن يكون البحث العلمي هادفا ومفيدا، والأبحاث أو المقالات العلمية التي تنشر انبثاقا منه، تكون ذات قيمة حقيقية مجتمعية وعلمية، وليست مجرد تكرار أو استنساخ لغايات الاستجابة لحمى النشر والتصنيفات العالمية. حتى يكون لمعنى معامل التأثير حقه الحقيق، وليس مجرد مسميات مضللة.

تشكيل الفرق البحثية المتخصصة

تتشكل الفرق البحثية حول المنظومات البحثية من ضمن القطاعات الكبرى. غني عن القول أن البحث العلمي الجاد هو نشاط جماعي ولا يمكن إنجاز بحث علمي حقيق بشكل انفرادي، إلا في مجالات محددة. وبتشكيل الفرق البحثية يجري تعزيز قدرات الباحثين وإغناؤها بالخبرات المتخصصة، ويتم فيها توجيه الجهود المتعاضدة لتحقيق إنجازات علمية وطنية فعالة. كما أن مصادر المعرفة وشبكات البحث العلمي تهيئ الفرص لتشكيل الفرق البحثية على مستوى العالم، إن رغب الأساتذة في ذلك. ويمكن أن يكون من ضمن عملية تقييم أعضاء هيئة التدريس أن يكون عضوا فاعلا في مجموعة بحثية واحدة على الأقل. كما يمكن أن تكون أولوية التمويل البحثي في الجامعة للمنظومات البحثية المعتمدة ولفرق البحث المرتبطة بها. وربما أيضا أن يكون من شروط الأبحاث المقبولة للترقية هي أن تكون من ضمن مشروعات بحثية حقيقية، أو على الأقل لعدد منها.

إدماج طلبة الدراسات العليا في الفرق البحثية

تشير الإحصاءات (موقع وزارة التعليم العالي والبحث العلمي، للفصل الثاني 2020-2021) إلى أن عدد طلبة الماجستير في الجامعات الحكومية، هو 18346 إضافة إلى 5613 طلبة ماجستير في الجامعات الخاصة، و173 للجامعة العربية المفتوحة، و691 لجامعة العلوم الإسلامية العالمية. أما الدكتوراة، فالعدد في الجامعات الحكومية 3911، إضافة إلى 775 لجامعة العلوم الإسلامية العالمية. هذا عدد هائل (24823، طلبة ماجستير و4682 للدكتوراه)، ربما يتخرج نصفه كل سنة. وكم عشرات الألوف من الطلبة تخرجوا وأعدوا رسائل ماجستير أو دكتوراه، في نطاق الفردية، والتشرذم. حيث إن عملية اختيار موضوعات الأطروحات والرسائل، كما هو متعارف عليه تتم بطريقة إجمالا تفتتية، فردانية، واهتمامات شخصية،.. الخ. ولا شك أن هذا فيه مضيعة هائلة للجهود والفرص التي كان يمكن أن تحدث فرقا هائلا في البحث العلمي والنشر، وخدمة المجتمع.

وعلى ذلك، فإن الربط المحكم بين الدراسات العليا ومنظومات البحث العلمي والفرق البحثية المنبثقة منها، هي استراتيجية هامة جدا في الاستثمار الأفضل للدراسات العليا، وتحسين مستواها وسمعتها. حيث ينتظم طلبة الدراسات العليا في هذه المنظومات البحثية والمشاريع التي تديرها. فلا يجد الطلبة صعوبات أو تعقيدات في البحث المضني عن قضايا بحثية، تكون في النهاية مشتتة ولا رابط بينها. كم من مئات بل آلاف الرسائل والبحوث التي تجرى ولكن لا يجمعها خيط ناظم يعظم من فائدتها وتأثيرها. ولكن في حالة عمل الطلبة ضمن المنظومات البحثية المعتمدة، سوف يتشكل إنتاج معرفي هادف متكامل ترفد الجامعة به المكتبة العربية والعالمية بمئات الأبحاث والمقالات العلمية كل سنة، إذا أحسنت العناية بتنظيم الدراسات العليا والبحث العلمي، وحظيت بالاهتمام التنظيمي الفاعل. وهذا بالطبع يرفع كثيرا من ترتيب الجامعة بحثيا، ويشكل حضورا أقوى في هذا المجال. وبخاصة إذا أخذ في الاعتبار النشر العلمي مسبقا وخلال إعداد الطلبة لرسائلهم أو أطروحاتهم، بحيث يمكن أن يتدربوا على إعداد الأبحاث للنشر مبكرا. لنتصور لو أن نصف الطلبة نشروا أبحاثا من رسائلهم سنويا، (ما يقارب عشرة آلاف بحث!!!!).