القاعدة القانونية في فكر الدكتور محمد الحموري رحمه الله

المحامي الدكتور نوفان العجارمة
المحامي الدكتور نوفان العجارمة
المحامي الدكتور نوفان العجارمة يُعد أستاذنا الدكتور المرحوم محمد الحموري من النماذج المشرفة التي كرست وقتها وجهدها وفكرها في الدفاع عن الحقوق والحريات، وقد لخصت مؤلفاته القيمة منظومة العدالة في الكثير من ثناياها، وعلى اختلاف الزمان والمكان ما زالت أفكاره مترابطة ومتناسقة فهو الأستاذ والعالم والوزير، وقد ضرب لنا الأمثال القيَمة في كل اتجاه. العدل من منظوره هو المنطقة الآمنة في حياة الناس جميعاً، هو الاحتياج الذي يلمسه كل إنسان، فالعدل كلمة الله على الأرض، وهو عنوان الحقيقة، وهو الحماية من أي نيران، ولو كانت صديقة، والعدالة هي الحصانة الحقيقية لأي مجتمع، وفقهاء القانون ليسوا مجرد آلية قانونية ودستورية يستظل بها المجتمع، بل هم أصحاب رسالة تترجم ضمانات العقد الاجتماعي. فالأشخاص زائلون ولن يتذكر التاريخ منهم إلا من ترك فكرا منيرا يضيء الطريق أمام العدالة وأمام الدولة في تنظيم علاقة الفرد بالسلطة. وقد قدم لنا المرحوم من خلال مؤلفاته القيمة في الحقوق والحريات والإصلاحات الدستورية والتنمية السياسية الكثير من المبادئ والأفكار القيمة والتي تشكل طريقاً ومنهجاً مهماً في عملية الإصلاح السياسي ولعل أهم هذه المؤلفات كتابه القيم (الحريات الأسيرة بين استبداد الحكم واستغلال الدين - الأصول وطريق الإخلاص لسنة 2017). ومن خلال استقراء مقالاته ولقاءاته التلفزيونية ومؤلفاته بشكل عام ومؤلفه الأخير بشكل خاص نجد خلاصة فكر المرحوم في حماية الحقوق والحريات تقترب إلى حد كبير من أفكار كبار الفقهاء، كالفقيه والفيلسوف النمساوي (كلسن) صاحب (نظرية القانون البحت) والفقيه الفرنسي (فرانسوا جيني) صاحب النظرية التوفيقية والتي تستند إلى أن القاعدة القانونية تجمع في جوهرها بين المثل العليا التي يستخلصها العقل وبين حقائق الحياة التي تسجلها المشاهدة والتجربة، وكذلك الفقيه المصري (عبد الرزاق السنهوري) صاحب الاتجاه الفقهي الذي يدعو إلى ضرورة إحياء الفقه الإسلامي وتجديده ليصبح مصدراً رئيسا للقانون في الدولة. وتتجسد أفكاره في الأمور التالية: أولاً: يرى الدكتور الحموري بأن أولوية الإصلاح في الدولة تبدأ من السلطة القضائية، فمن الصعب البدء في إصلاح السلطة التشريعية أو بإصلاح السلطة التنفيذية على أهمية هاتين السلطتين ابتداءً، قبل الحديث عن إصلاح السلطة القضائية، ويكون هذا الإصلاح في النظم، بحيث يكفل استقلال السلطة القضائية لتستطيع معه أن تقوم بوظيفتها بما ينبغي من النزاهة والحيدة، ثم يكون هذا الإصلاح في رجال القضاء أنفسهم، ويختارون من بين الرجال القادرين على تأدية هذه الرسالة المقدسة من ناحية الخلق ومن ناحية الكفاية. ثانياً: يجد بأن قواعد القانون هي قواعد سلوك اجتماعي والظاهرة التي تحكمها القاعدة القانونية هي إرادة الإنسان. لذلك فإن قواعد القانون هي قواعد تقويمية. لأنها لا تكتفي بتقرير ما هو كائن بل تهدف إلى تحديد ما ينبغي أن يكون. لذلك يجب دراسة القانون كظاهرة اجتماعية لها علاقة مباشرة بالظواهر الاجتماعية الأخرى ودراسة القانون بالتركيز على البعد الزمني في نشأة وتطور القاعدة القانونية، فدراسة القانون كقاعدة عامة يجب أن تنهج نهجاً اجتماعياً أو تاريخياً وقد تنطلق من تصور إيديولوجي محدد مسبقاً، فالبحث في الأيديولوجيا القانونية لا يدور في فراغ بل هو يتأثر بالقواعد القانونية النافذة، يؤثر فيها بنفس القدر الذي يرتبط فيه بالتناول الاجتماعي أو التاريخي للظاهرة القانونية وكان دائما يسترشد في تطور القواعد القانونية والدستورية الإنجليزية وكيف كانت وكيف أصبحت. أن دراسة القانون كظاهرة اجتماعية وتاريخية، ودراسة الفكر القانوني ذاته كظاهرة اجتماعية وتاريخية هي دراسات تأصيلية ترجع بالنظم القانونية والنظريات حول القانون إلى أصولها الاجتماعية والتاريخية المعرفية، الأمر الذي سيؤدي في مجال العمل إلى نتيجتين مهمتين ومرغوب فيهما: النتيجة الأولى: تتمثل في ترشيد السياسة التشريعية: فمن خلال دراسة القانون كظاهرة اجتماعية أو تاريخية أو فكرية ستكف العملية التشريعية عن استيراد نصوص قانونية من الأنظمة القانونية "المتحضرة" وعندها تصبح العملية التشريعية مرتبطة بأصولها وبالواقع الاجتماعي والبعد التاريخي والمنطلق الفكري والفلسفي للمجتمع الذي يشرع له، ويكف المشرع كذلك عن عبادة وتقديس مفاهيم ومبادئ قانونية قد تثبت البحوث أنها ارتبطت بواقع اجتماعي تاريخي أو بمنطلق فكري محدد. أما النتيجة الثانية فتتمثل: في ترشيد التفسير والتطبيق القضائيين للقاعدة القانونية، ذلك أن الألفاظ القانونية غير معلقة في فراغ بل هي تتفاعل مع الواقع الاجتماعي والسياق التاريخي في مناخ فكري ما. ثالثاً: ويخلص الدكتور الحموري بأن القانون بشكل عام والدستور برمته ومبنى فكرته الفلسفية يقوم على استهداف ثلاث غايات كبرى هي تحقيق أمن المجتمع واستقرار المعاملات فيه، وتحقيق العـدل، ودعم التقدم والتطور والإبداع فيه. رابعاً: ويرى بأن قواعد القانون تنطوي من حيث مضمون وشكل صياغتها فكريا على عنصرين، يجب توافرها عند صياغة القاعدة القانونية وهما: عنصر العلم وهو عنصر موضوعي يقوم على جملة معطيات تتسم بطابع سياسي واجتماعي، والآخر عنصر خارجي ذو طابع فني يتعلق بصياغة أو بناء القاعدة القانونية (عنصر الصياغة)، ويرجع أساس كلا العنصرين الى السياسة القانونية المتبناة في المجتمع، فالعنصر الموضوعي يتعلق بشؤون وحاجات وأماني وتطلعات ذلك المجتمع، ويستهدف العدالة كمثل أعلى لتنظيم ذلك على أفضل الوجوه وأكثرها ملاءمة. ويقوم العنصر الموضوعي على جملة معطيات تُعبر في مضمونها عن الحقائق الاجتماعية والسياسية والتاريخية والمُثل والقيم العليا التي تسود في مجتمع واحد معين، ومن هذه المُعطيات يستمد المشرع مادته الأولية أو الجوهر الذي يصوغ منه قانونه، وهذا يعني أن العنصر الموضوعي يتصل بالملاءمة وحسن التدبير. أما الصياغة فتمثل الجانب الفني للسياسة القانونية التي تُعنى بوضع أنسب أدوات التقنية التشريعية لاحتواء المعطيات والحاجات والأهداف الاجتماعية، فقد يكون من المناسب أن يضمن العنصر الموضوعي في إطار قاعدة قانونية جامدة أو مرنة أو معيار قانوني أو مبدأ قانوني أو أن يحيل المشرع الحكم الى قواعد العدالة والقانون الطبيعي، حسب ما يمليه مبدأ العدالة او مبدأ أمن واستقرار المعاملات داخل المجتمع فضلا عما تمليه نظرة المشرع لمستقبل الحياة الاجتماعية وما يطرأ عليها من تغيرات محتومة بعد سن التشريع ونفاذه. خامساً: كما حرص الدكتور الحموري وبشكل كبير على الرقابة على دستورية القوانين وهو أكثر ميلا للرقابة ذات الطابع القانوني عن طريق المحاكم الدستورية، لأن القانون بالواقع قد لا يشكل عنوان العدل والتوازن، فهو- مع ما يتمتع به من هيبة ومن سيادة- ليس منزهاً عن الخطأ والخطيئة، ذلك لأن القانون هو تعبير عن إرادة السلطة السياسية، والسلطة السياسية ليست بالضرورة هي المعبرة عن جميع المصالح في المجتمع، وليست بالضرورة سلطة تزن هذه المصالح بعضها إزاء البعض الآخر بشكل عادل ومتوازن، فكثير من القوانين تنحاز وتكرس التفرقة بين الناس وتخل بالمساواة المكفولة بموجب الدستور. سادساً: لقد تأثر كثيرا في دراسته التحليلية والتأصيلية بالفقه الإسلامي وأثره على الحقوق والحريات وأفكاره في هذا الشأن تتمحور حول فكرتين مركزيتين: الأولى إمكانية التوفيق بين الإسلام ومنتجات الحداثة الغربية وأفكارها، فلم ير بأسا في اقتباس بعض التنظيمات الغربية وإكسابها ثياباً إسلامية لتحل بديلا عن فكر الخلافة الكلاسيكي، وهذا الشرط الوحيد لاستمرارها في ظل عصر تبدلت فيه المفاهيم وأطر العلاقات الدولية. أما الفكرة الثانية فتتمثل في ضرورة إحياء الفقه الإسلامي وتجديده ليصبح مصدرا رئيسا للقانون في الدولة؛ من خلال العودة إلى تراث أجدادنا الفقهي الذي لا يقل عن القانون الروماني في الصناعة وجودة الصياغة. سابعاً: ويذهب إلى القول بأنه يتعين أن يتلاءم القانون مع المجتمع، وذلك بأن تكون الإدارة التشريعية معبرة عن الإرادة الحقيقية للمواطنين من حيث المضمون، وبعد صدور القانون يتعين أن ينفذ بروح العدالة، فالقانون لا يستكمل هيبته إلا بعمومية تطبيق بنوده وأحكامه على الكافة، فلا يجوز أن يفرق بين المواطنين بأي ذريعة كانت، والنظم التي يشرعها ويحميها القانون هي التي توجه الإنسان وسلوكه، فإذا سهلت الأنظمة فتح أبواب التهريب فإنك تخلق مجتمع التهريب، وإذا سمحت الأنظمة بفتح الأبواب على مصراعيها للاستيراد الذي لا يتفق مع الدخول الحقيقية للمواطنين، فإنك تخلق مجتمع الساخطين، وإذا سمحت الأنظمة بهز أعمدة القطاع العام وإفلات تيار القطاع الخاص فإنك تخلق مجتمع الرشوة وإفساد ذمم المسؤولين عن العمل العام وهكذا. رحم الله عميدنا وأستاذنا الدكتور محمد الحموري وأسكنه فسيح جناته، لقد كان مفكراً وجريئاً بأدب، واضحا بثقة، ومصرا بعزم، في دفاعه عن الحقوق والحريات والتي سماها (أسيرة). أستاذ القانون العام كلية الحقوق – الجامعة الأردنية اقرأ أيضاً: 
اضافة اعلان