الوصول إلى سرعة الإفلات

محمد عبد الله العريان*

 

نيوبورت بيتش- لا يتسنى للمرء كثيراً أن يدعي بثقة أن علاجاً واحداً من الممكن أن يجعل المليارات من البشر في مختلف أنحاء العالم أفضل حالاً بشكل ملموس؛ وبطريقة دائمة وتتسم بالدعم المتبادل؛ وبالتالي يحسن رفاهة الجيل الحالي وأجيال المستقبل. بيد أن هذه هي الحال اليوم.

اضافة اعلان

العلاج الذي أقصده هو بطبيعة الحال النمو الاقتصادي الأسرع -الشيء الوحيد القادر على رفع مستويات المعيشة، والحد من التفاوت المفرط بين الناس، وتحسين فرص الحصول على عمل، وتهدئة التوترات التجارية، بل وحتى تخفيف الضغوط الجيوسياسية. والآن تشير أغلب التوقعات -بما في ذلك توقعات صندوق النقد الدولي والبنك الدولي- إلى أن النمو العالمي سوف ينتعش في العام 2014، وأنه سوف يكون أكثر توازناً بين المناطق الاقتصادية الكبرى في العالم.

وتعكس مثل هذه التوقعات ثلاثة تطورات محمودة. فبادئ ذي بدء، سوف تخرج أوروبا من الركود، مع استفادة الاقتصادات الطرفية (الواقعة على أطراف أوروبا) من التحسن النسبي الأكثر قوة في توقعات النمو. ومن ناحية أخرى، لم يعد نمو الناتج المحلي الإجمالي السنوي بنسبة 3 % احتمالاً بعيداً عن منال الولايات المتحدة. وسوف تكون الاقتصادات الناشئة راسخة مستقرة بفضل النمو في الصين، والذي يظل قوياً رغم تباطؤه إلى 7 %.

ولكن رغم أن احتمالات النمو العالمي الأسرع تشكل خبراً ساراً، وخاصة في ضوء البطالة التي ما تزال مرتفعة في العديد من البلدان وما يفرضه ذلك من ضغوط على شبكات الأمان الاجتماعي، فمن السابق للأوان أن نحتفل الآن. فما يزال الخطر قائماً في أن يتسبب الاستسلام لإغراء الرضا الذاتي عن السياسات في تحول التحسن الاقتصادي هذا العام إلى تطور هَدَّام.

ولا يرجع هذا إلى تواضع تسارع النمو المتوقع. ذلك أن حتى التحسن المحدود من الممكن أن يحدث فارقاً كبيراً إذا كان جزءاً من ديناميكية نمو مشجعة في الأمد المتوسط. فالخطر يكمن بدلاً من ذلك في الطريقة التي من المرجح أن يتحقق بها هذا النمو -على وجه التحديد، الاعتماد المفرط على نماذج النمو القديمة المستنفدة، بدلاً من تبني نماذج جديدة بشكل شامل.

ففي أوروبا، سوف يعكس النمو هذا العام إلى حد كبير تأثير الاستقرار المالي، وليس إصلاحات بنيوية عميقة. فمع انحسار الفوارق في أسعار الفائدة بشكل حاد، ومع تجنب تهديد الانهيار، يواصل كل من المستثمرين المحليين والأجانب العودة إلى الاقتصادات الطرفية، الأمر الذي يخفف بالتالي من التقنين الائتماني الشديد. ومن المؤكد أن هذا النبأ طيب، وبخاصة إذا كان مصدر الاستقرار قد تحول من سياسات البنك المركزي الأوروبي غير التقليدية إلى تعافي الميزانيات العمومية المعرضة للخطر على نحو أكثر استدامة بين مجموعة أوسع من المؤسسات المالية، والشركات غير المالية، والأسر.

ولكن قِلة من هذه الاقتصادات على استعداد للشروع في تنفيذ ذلك النوع من الإصلاحات الداخلية التي تَعِد بمعدلات نمو مرتفعة ومستدامة وانخفاض كبير في البطالة، التي بلغت مستويات منذرة بالخطر بين الشباب ومن حيث مدتها. ومن ناحية أخرى، بدأ ارتفاع أسعار الصرف يقوض الصادرات في بلدان القلب في منطقة اليورو، وخاصة ألمانيا، والتي كانت بمثابة المحرك الإقليمي للنمو في المنطقة في الأعوام الأخيرة.

والواقع أن تسارع النمو المتوقع في الولايات المتحدة هذا العام أكثر أهمية لأنه يعكس التأثير الإيجابي المترتب على عملية دامت لسنوات من التعافي الاقتصادي والمالي. وقد بدأنا أيضاً نرى التأثير على المستوى الكلي لثورات الإنتاجية -وخاصة في قطاعات الطاقة والتكنولوجيا- والتي كانت في الأساس حتى الآن بمثابة ظواهر صناعية وقطاعية.

ومع هذا، فإن النمو الاقتصادي الفعلي في أميركا في العام 2014 سوف يظل أدنى كثيراً من المحتمل. وعلاوة على ذلك، فإن أداء الاقتصاد الأميركي يظل معتمداً بإفراط على سياسات بنك الاحتياطي الفيدرالي النقدية التجريبية التي تبناها بشجاعة في غياب التدابير الكافية من قِبَل صناع السياسات الاقتصادية الآخرين.

لا شك أن الاقتصاد الأميركي قادر على الوصول إلى «سرعة الإفلات» التي تحتاج إليها البلاد إذا كان لمستويات البطالة أن تنخفض على نحو أكثر وضوحاً ودواما. ولكن هذا يتطلب مبادرة الكونجرس إلى دعم إدارة الرئيس باراك أوباما في ثلاثة مجالات: تحسين تركيبة ومستوى الطلب الكلي؛ وتعزيز استجابة العرض في الاقتصاد؛ وإزالة أعباء الديون المتبقية التي ما تزال تثبط النشاط الاقتصادي.

وفقط من خلال إحراز تقدم حاسم على هذه الجبهات الثلاث، يصبح من الممكن تحرير التريليونات من دولارات الشركات التي بدلاً من استثمارها في مصانع ومعدات جديدة تظل جانحة على الميزانيات العمومية لشركات أو يتم تسليمها إلى المساهمين عن طريق توزيعات أرباح أعلى وإعادة شراء الأسهم.

والقضايا في العالم الناشئ أكثر تعقيداً وتنوعاً. فبعض البلدان تبذل جهوداً حثيثة متواصلة لتجديد نماذج النمو المستنفدة. وفي الصين على سبيل المثال، يشمل هذا التقليل من الاعتماد على الصادرات والاستثمارات العامة، والاعتماد بشكل أكبر على المكونات الخاصة للطلب الكلي المحلي.

غير أن بلداناً أخرى استجابت لتباطؤ النمو في العامين 2012 و2013 بالعودة إلى الممارسات القديمة التي تقدم إغراء التوسع الفوري على حساب نتائج مثبطة للنمو في المستقبل. وهذه هي الحال على سبيل المثال في البرازيل وتركيا.

وكل هذا يعني ضمناً أن العالم الناشئ ككل من المرجح أن يستأنف في العام 2014 دوره كمحرك رئيسي للاقتصاد العالمي، وأن نوعية النمو هناك سوف تكون بعيدة عن المثالية.

الواقع أنه كلما كان تحليلنا لديناميكيات النمو العالمي اليوم أكثر تفصيلا، بات أكثر ميلاً إلى استخلاص نتيجة مفادها أن التوقعات الأكثر إشراقاً لهذا العام ليست أكثر من ذلك -توقعات أكثر إشراقاً للعام 2014. وما يزال هناك الكثير الذي نستطيع (بل ويتعين علينا) أن نقوم به إذا كنا نريد للتحسن المتوقع هذا العام أن يوفر منصة انطلاق لطفرة كبيرة من النمو في الأمد المتوسط تعمل على تحسين آفاق التوقعات بالنسبة للجيل الحالي وأجيال المستقبل. وما لم يضع صناع السياسات نصب أعينهم المهام الأكبر المنتظرة منهم، فإنهم يجازفون بالوقوع في فخ الإنجاز الهزيل المريح.

 

 

*الرئيس التنفيذي والمسؤول الإعلامي المشارك لمؤسسة بيمكو.

خاص بـ"الغد" بالتعاون مع بروجيكت سنديكيت.