تجميل عمان.. استحقاق طال انتظاره

الدكتور ابراهيم بدران
الدكتور ابراهيم بدران
نتناول هذا الموضوع دون أن يغيب عن اهتمامنا وتفكيرنا ما يعاني أهلنا في غزة والضفة من آلام ويقدمون من تضحيات، وصمودهم الجبار أمام حرب الإبادة والتطهير الهمجية التي تشنها إسرائيل النازية على المدنيين الأبرياء. فلهم وللمقاومة كل التقدير والتعاطف.اضافة اعلان
تعمل أمانة عمان بالتعاون مع المكاتب الهندسية على وضع وتنفيذ برنامج شامل بهدف تجميل عاصمة الوطن عمان. ولا شك انها خطوة في الاتجاه الصحيح، بل طال انتظارها، خاصة بعد التوسع الهائل في مساحة عمان ومبانيها وطرقاتها، والأهم من كل ذلك تضخم سكانها حتى وصلوا 4.5 مليون نسمة في عمان الكبرى. وقد تراجعت المساحات الخضراء في المدينة وما حولها الأمر الذي دفع في العاصمة لتحتل مكانة متأخرة في سلم جمال العواصم ومكانا متقدماً في سلم المدن الأقل جمالا. هذا مع العلم بأن العاصمة تضم مباني سكنية غاية في الجمال والفخامة بمفردها، ولكن الإشكال يتمثل في غياب الجمال الجمعي للأحياء والشوارع والساحات المكشوفة، واقتصار الجمال على التكوينات الفردية، وهو ما تعمل أمانة عمان اليوم على مواجهته بشجاعة وبعد نظر. ولعل المسائل الأكثر تأثيرا في جماليات المدينة يتمثل في العناصر التالية أولاً: ضآلة المساحات الخضراء والتي هي ركن أساسي في جمالية أي مدينة وملاءمتها لصحة السكان. فنصيب الفرد في عمان من المساحات الخضراء 2.5 متر مربع مقابل توصية منظمة الصحة العالمية لتكون 9 أمتار مربعة كحد أدنى. وحقيقة الأمر أن القيمة الاقتصادية والإنسانية والاجتماعية للمساحات الخضراء كبيرة تماما. فهي إضافة إلى تحسين مزاج السكان واعطائهم شعوراً  بالرضا تعمل على تحسين الحالة الصحية والنفسية وخاصة للأطفال وكبار السن، كما تساعد على تهذيب سلوك الأطفال وتخفيض مستوى السمنة عندهم والتي هي مرتفعة لدينا. ثانياً: النمط المعماري للأحياء والأسواق، حيث تفتقر المدينة إلى أنماط أو أنساق جمالية وهندسية واضحة في الأحياء السكنية أو الشوارع التجارية. ولا يعني النسق الجمالي الفخامة والضخامة أو الكلفة المرتفعة، فحتى الأحياء الشعبية البسيطة يمكن أن تكون، بل يجب ان تكون جميلة، كما نجد على سبيل المثال في اليونان وايطاليا بل وفي تونس والمغرب وغيرها الكثير. وهذا يستدعي تصميم أنساق تنظيمية وهندسية معمارية متعددة تتوافر فيها عناصر الجمال الجمعي سواء بالأشكال أو الألوان أو النوافذ او الممرات العامة أو الأقواس يلتزم فيها الجميع. ثالثاً: النظافة وهي مدخل الجمال وركنه الأساسي. والنظافة هنا مسؤولية مشتركة بين المواطن والمؤسسات وإدارة العاصمة. فالمواطن بحاجة إلى التوعية المستمرة والضوابط القانونية الحازمة، وفي نفس الوقت على الأمانة ان توفر نظاماً عملياً متقدماً يحافظ فيه المواطن على النظافة وخاصة في الأماكن العامة ومنها الشوارع والمرافق العامة وأولها المدارس والجامعات. وهذا يستدعي إعادة النظر في كيفية جمع القمامة ومواعيدها وادواتها ومظهر حاوياتها وفتحات الخدمات كصرف مياه الأمطار وكابلات الكهرباء والهاتف وغيرها. رابعاً: سلامة الشوارع، وهي في عاصمتنا محفرة مكسرة في معظم الأحياء باستثناء الجديدة والفخمة منها. وما إن يتم رصف جزء من  شارع من طرف دائرة ما حتى تتحرك دائرة أخرى لتركيب شبكتها سواء كانت أنابيب أو كابلات أو عبارات أو أي شيء آخر. وعند الانتهاء يجري إصلاح الشارع بطريقة متسرعة لا تحافظ على مستوى السطح فيصبح صعودا وهبوطا وحفرأ ومطبات تشوه المنظر من جهة، وتكلف الاقتصاد الوطني الملايين من الدنانير سنويا نتيجة للاضرار التي تلحق بالسيارات. هذا إضافة إلى ضيق الشوارع بالنسبة لأعداد السيارات العابرة للشارع، وتزيدها ضيقا تلك السيارات الواقفة أمام المنازل. لقد تم تنظيم الأحياء على أساس منازل بسيطة تحولت إلى عمارات عالية خامساً: الأرصفة وهي حق للمشاة. ولكن هذا الحق مهدور جمالياً بسبب التكسير الملازم لمساحات كبيرة من الأرصفة ومهدور استعماليا بسبب العوائق الضخمة التي تحتل الأرصفة إلى درجة أن المشي على الأرصفة غدا  غير ممكن في معظم شوارع العاصمة. ولعل أهم هذه العوائق الأشجار التي يزرعها المواطنون من أصحاب المنازل في وسط الرصيف. وغالبا ما يتم الاعتناء بها لتضخيمها وتسمينها حتى يصبح استعمال الرصيف يتطلب الجهد والمشقة والمخاطرة أو حتى غير ممكن. لماذا لا تفرض أمانة العاصمة على أصحاب المباني إزالة أشجارهم من الأرصفة والاكتفاء بأشجار محددة النوعية ترتفع عموديا وتزرع في الحافة الداخلية للرصيف الذي يجب أن لا يقل عن 3 أمتار. بمعنى ان على المواطن ان يتذكر بالقانون ان الرصيف ليس ملكا له وان نوع الشجر ومكان زراعته ينبغي أن يكون طبق مواصفات الأمانة سادساً: الألوان وهي بسبب طبيعة المباني لدينا غائبة تماما. ومن ينظر إلى عمان من الجو أو من مكان بعيد لا يرى إلا المباني بذات اللون (لون الحجر) فلا ألوان تظهر للنوافذ ولا للأسطح ولا للشرفات ولا للحدائق مما يسلب المناظر جمالها خاصة مع ضآلة المساحات الخضراء والأشجار المرتفعة بالشوارع. هل من الممكن إعطاء الأحياء ألوانا معينة يختارها أهل الحي ويلتزمون بها؟ سابعاً: النقل العام المنظم يعطي الأحياء طابعا من نوع ما، وهو غائب في معظم أحياء العاصمة. الأمر الذي جعل المرور كثيفا بأكثر ما تستوعب الشوارع إضافة إلى تلوث الهواء والأضرار الصحية. وهنا لا بد من إدخال القطارات تحت الأرض وخاصة للنقل في محطات رئيسية. ثامناً: ان تنظيم المدينة وخاصة في الأحياء الجديدة بحاجة إلى مراجعة لتصبح الشوارع أكثر اتساعاً ولا تقل عن 12 مترا، وتخصيص مساحة في كل حي لا تقل عن 7 دونمات لإنشاء مدرسة ومكتبة وحديقة صغيرة، فواقع الحل أن الأطفال في كل 50 بناية سكنية هم بحاجة إلى مدرسة بسعة 400 طالب تقريبا وحديقة وملعب للأطفال. تاسعا: الساحات العامة والمباني الرمزية. حيث تعاني عمان من قلة الساحات والميادين العامة التي تصلح لتجمعات المواطنين في المناسبات الوطنية، وكذلك غياب المباني العامة ذات النمط المعماري المتميز ليجعلها معلما من معالم المدينة، إضافة إلى غياب التماثيل والنصب التذكارية. 
واخيرا فإن ما ينطبق على عمان ينسحب على معظم المدن والقرى حيث تفتقر قرانا ومدننا إلى عناصر تنظيمية جمالية، وأن تجميل المدينة والقرية ليس ترفا، وإنما  أمر حيوي بكل معنى الكلمة، ويحمل قيما اقتصادية وإنتاجية وعمرانية وإنسانية بالغة الأهمية.