تحركنا السلبيات ولا تحركنا الإيجابيات 

د. هايل ودعان الدعجة
د. هايل ودعان الدعجة
من الأمور اللافتة في تعاطينا مع منصات التواصل في القضايا والأمور التي تخص الوطن، ذلك التفاعل الذي نبديه مع الأحداث والأخبار التي يمكن وصفها بالسلبية، بحيث نطلق العنان لتعليقاتنا بمجرد ظهورها وسماعها، حتى دون التحقق من صحتها، طالما حفزتنا وحركت ما بداخلنا من نوازع جعلت منها مادة نتداولها وتتصدر أحاديثنا، لنتناولها بالهجوم وتوجيه الانتقادات، الأمر الذي لا نقابله بنفس التفاعل والاهتمام إذا ما حصل العكس وكانت الصورة إيجابية، تتحدث عن إنجاز أو نجاح مثلا قد يحصل أو يتحقق هنا أو هناك، وكأن هذه هي ساحتنا ومساحتنا التي نمارس عليها تعليقاتنا، بحيث تحركنا السلبيات، ولا تحركنا الإيجابيات. ولربما نشعر بالخذلان والإحباط إن حدث ما يغير أو يعكّر صفو الصورة السلبية التي تجسد البيئة التي نتفاعل معها، ويبدأ يدفع بها بالاتجاه المقابل، الذي سيحد من مشاركتنا وتفاعلنا واهتمامنا.اضافة اعلان
وهذا ربما ما يفسر أجواء أو بيئة الرعب التي تغلف العمل العام، حتى إننا من النادر جدا ما نسمع أو نشاهد مسؤولا يخرج على الإعلام مدافعا عن مؤسسته من خلال بيان حقيقة ما يتم تداوله من اتهامات أو افتراءات بشأنها، أو حتى يتحدث عن إنجازات ونجاحات، وحتى لو تحدث عن ذلك فلن تجد هناك من يوليها أي اهتمام، وذلك بعكس لو كانت هناك أحاديث أو أقاويل عن سلبيات أو مخالفات أو إخفاقات في المؤسسة التي يقودها، الأمر الذي يمكن ملاحظته عند تكذيب أو نفي أخبار أو معلومات مفبركة أو مغلوطة على شكل إشاعات، بحيث لا تجد من يتداولها ويهتم بها وينشرها بنفس الاهتمام الذي كانت تحظى به عندما كانت إشاعات.
مما يؤكد أن البيئة التي تعيش بها السلبية متوفرة في مجتمعنا مع كل أسف، وهناك من يساعد على تنشيطها، ويصبح من السهل تمرير أي معلومات أو أجندات يراد بها استهداف أشخاص أو جهات معينة، طالما أن اهتمامنا بالسلبية أو بالمعلومة غير المؤكدة أكثر من اهتمامنا بالإيجابية وبالحقيقة التي لا تجد هناك من يدافع عنها أو ينشرها بنفس طريقة نشر السلبية (الإشاعة).
في إشارة إلى وجود قابلية للانجرار خلف السلبيات والإشاعات وترويجها لمجرد أنها تمس ما يعتقد البعض أنها قضايا أو مسائل مهمة وتعنيه وتعزز موقفه منها ويرى فيها ما يمكن أن يتوافق مع ما يفكر به أو يعتقده تجاهها. وبالتالي فإن الأمور مختلفة في كيفية الحكم على الأشياء، بين شخص يبحث عن الإيجابية ويتحلى بروح تفاؤلية، وبين آخر يبحث عن السلبية تماهيا مع ما بداخله من نزعة تشاؤمية، وبما يتوافق ونظرته وتعطشه لتوجيه الانتقادات كبيئة يعيش فيها ويرى فيها وسيلته المفضلة في التعاطي مع القضايا والملفات والإنجازات والنجاحات الوطنية المختلفة التي تحدث هنا وهناك، وحسب طبيعته وتركيبته ونظرته للأمور، وقد يرى في نفسه أنه الوحيد الذي يملك الحقيقة أو الصورة التي يجب أن يتعاطى معها غيره، تماهيا مع نظرته وموقفه منها، ووفقا لحساباته ومقاساته الخاصة، فالحكم على الأشياء في النهاية، يتوقف علينا نحن، على شخصيتنا وتركيبتنا وطبيعتنا وتربيتنا، ونظرتنا لها، وما يهمنا منها ونريده ونبحث عنه في رحلة الحكم هذه.