صناديق تقاعد النقابات المهنية.. نوايا حسنة ونتائج خطيرة

مبنى مجمع النقابات المهنية-(أرشيفية)
مبنى مجمع النقابات المهنية-(أرشيفية)

الدكتور الجيولوجي خلدون أبو حميده*
 
بادرت النقابات المهنية بإنشاء صناديق تقاعد وتكافل اجتماعي بغية مساعدة أعضائها بعيش كريم بعد عطاء امتد لسنوات طوال أفنوا حياتهم في خدمة الوطن كل في موقعه، وتم قوننة الصناديق لحفظ حقوق الأطراف كافة من خلال إصدار قانون خاص بصندوق التقاعد غطى بمواده آليات إدارة الموارد وآلية التصرف بها من خلال مواد معينة في القانون وتم معالجة الحالات كافة بين الالتزام والحرمان من الراتب التقاعدي، وهذه القوانين استمدت شرعيتها من خلال تصويت أعضاء الهيئة العامة على موادها.  ولضمان عدم تداخل حسابات النقابة مع حسابات صندوق التقاعد، تم فصل المعاملات المحاسبية بين الصندوقين بتعيين مدير مالي خاص بصندوق التقاعد. 

اضافة اعلان


 عند إنشاء هذه الصناديق كانت أعداد منتسبي كل نقابة على حدة بضع مئات في النقابات الصغيرة وبضعة آلاف في الكبيرة منها. وبتوسّع الجامعات الحكومية والخاصة في تخريج أعداد كبيرة من أصحاب الاختصاصات المختلفة تضخم عدد أعضاء النقابات المهنية ليصبح مئات الآلاف ممّا زاد من إيرادات الصناديق لتصبح ملايين الدنانير، وموازاةً لذلك زاد عدد المتقاعدين المستحقين للرواتب التقاعدية.


كان لزاماً على مجالس النقابات (التي تعمل بدون مقابل مادي) أن تدير وتستثمر أموال اشتراكات الصناديق في مشاريع بهدف تنمية الأموال وتحقيق أرباح كافية لسداد استحقاقات الرواتب التقاعدية، تم تسجيل نجاحات استثمارية في مشاريع النقابات في البدايات وكان هناك مردود مادي من هذه الاستثمارات مع وجود إيرادات متصاعدة تتمثل بالاشتراكات الشهرية للصندوق من الأعضاء العاملين والذين يزداد عددهم سنويًا خاصة بعد التوسع في التخصصات الدقيقة ضمن التخصص الرئيس للنقابة، ولكن بسبب عدم الاستعانة بأصحاب الاختصاص في الاستثمار كانت تدار المشاريع باجتهادات شخصية تعتمد على أفكار فردية تأخذ فرصة تنفيذها بتصويت أغلبية أعضاء مجلس إدارة النقابة، وتركزت معظم استثمارات النقابات على نظرية المواطن الأردني في الاستثمار بأن الاستثمار الآمن والمؤمل ويقيناً له عوائد مادية مربحة هو الاستثمار في العقارات، ولم يتم الاستثمار في قطاعات اقتصادية أخرى خوفًا من ضياع الأموال في استثمارات هامش الربح فيها قليل أو لوجود نسبة مخاطرة معينة أو لتحديات أخرى كضعف القدرة الشرائية وتأثير الأزمات السياسية في الدول المجاورة كما هو حاصل من تأثيرات سلبية على اقتصادنا الوطني كلما ظهرت أزمة هنا أو هناك. 


لهذا تجد أنّ معظم النقابات استثمرت في شراء قطع أراضي بمساحات كبيرة وفي أطراف المدن نظراً لانخفاض أسعارها مقارنة مع القطع المفروزة داخل مناطق التنظيم، ولم يؤخذ بعين الاعتبار المفاجآت غير المحسوبة التي قد تحدث كما حدث في الأزمة الاقتصادية العالمية 2008 والتي بدأت بأزمة العقارات في الولايات المتحدة الأمريكية 2007 مما أدّى إلى إفلاس بنوك أمريكة كبرى سحبت معها إلى هذا المستنقع الاقتصادي بنوك أخرى في كافة القارات ارتبطت بعلاقات مالية بالبنوك الأمريكية، كانت نتيجتها خسائر اقتصادية كبيرة مسّت قطاعات مختلفة على مستوى العالم. ولم ينتبه مستثمر أموال النقابات أنّ هناك منحنى متقلب في أسعار الأراضي فتارةً تأتي (هبَّة غير مبررة) ترفع الأسعار إلى مستويات غير طبيعية ما تلبث أن تهوي بعدها إلى مستويات أقلّ من سعر التكلفة مما تسبّب بخسائر غير محسوبة في استثمار هذه الصناديق بعدما تم تجميد الأموال في أراضٍ أو مجمعاتٍ سكنية وتجارية.


بعد مرور عشرات السنوات بدأ الآباء المؤسسون لهذه الصناديق بالوصول إلى محطة التقاعد وبدأت تزداد وتيرة المطالبات المالية للرواتب التقاعدية المستحقة بعد الالتزام الكامل بدفع ما عليهم من اشتراكات. وقد التزمت النقابات في البداية بدفع الرواتب التقاعدية إلى أن طفت على السطح الحقيقة المُرّة بأن النقابات لا تستطيع الإيفاء بالكمّ الهائل من الرواتب التقاعدية لأعضائها وورثتهم لسببين؛ أولاً زيادة عدد المتقاعدين بشكل كبير قابلها عدم التزام الأجيال الجديدة بدفع ما عليهم لصندوق التقاعد فمنهم من يعتقد بعدم جدوى هذه الصناديق والجزء الآخر بسبب عدم حصوله على فرصة عمل في مهنته وتحوله إلى مهنٍ بديلة مما ولَّد لديه شعور بعدم الانتماء للنقابة، ثانياً إنّ عوائد الاستثمار في الأراضي والعقارات لم تكن بمستوى الطموح الذي يمكن للنقابة سداد ما عليها من التزامات مالية للمتقاعدين وخاصة بعد اضطرار النقابات لإجراءات جراحية سريعة ببيع الأراضي المملوكة لصندوق التقاعد بهامش ربح بسيط وأحيانًا بسعر التكلفة، ومع كل هذه الإجراءات أصبح يصل للمتقاعدين جزء من رواتبهم في بعض النقابات ونقابات أخرى توقفت عن دفع الرواتب. وتحت ضغط الهيئة العامة ومسائلتها لمجالس النقابات عن مصير أموال صندوق التقاعد وهم المؤتمنون عليها، بادرت النقابات إلى عمل دراسات اكتوارية لدى شركات متخصصة في هذا الشأن لمعرفة مدى صمود هذه الصناديق ومدى قدرتها على الالتزام بواجباتها لجهة المتقاعدين، كانت مخرجات الدراسات منذ بداياتها محبطة لأبعد الحدود  في ظلّ حسابات الداخل للصندوق والخارج منها ولم يتم الأخذ بها بجدّية تامة، والتي كانت نتيجتها بأن الإيرادات أقلّ من استحقاقات الرواتب التقاعدية، أمّا النتيجة الأهم والأخطر فكانت توصية الدراسات الاكتوارية بزيادة إيرادات الصندوق عبر رفع قيمة الاشتراك للعاملين بنسب كبيرة قد تصل إلى 500%، ولم تكتفِ النتائج المحبطة إلى هذا الحدّ بل أعطت موعداً جديداً للوصول إلى نقطة التعادل بحيث لن يستطيع الصندوق مرة أخرى دفع الرواتب التقاعدية وضرورة البحث عن حلول جديدة!! هذه النتائج ضربت وحدة النقابات وانقسم أعضاء الهيئة العامة إلى فُصطاطين، فريق المتقاعدين الذين يطالبون بمستحقاتهم من رواتب تقاعدية وفريق العاملين المتضررين من رفع قيمة الاشتراكات والذين لا يرون جدوى من استمرارية الصندوق وطالبوا بحلّه حيث أصبح عبئاً عليهم وعلى الغاية الأساسية من إنشاء النقابات. نجحت بعض النقابات من خلال الهيئات العامة بالتصويت لصالح قرار حلّ صندوق التقاعد في حين هيئات عامة أخرى لم تُفلح في ذلك (بسبب الحشد المسبق للتصويت) وقررت رفع قيمة الاشتراكات لصالح صندوق التقاعد.


في ظل عملية الشد والجذب هذه لم ينتبه أحد إلى خطورة تأثير صناديق التقاعد على الاقتصاد الوطني، حيث تم تجميد أموال الصناديق في عقارات لعشرات السنوات وهذه الأموال التي بلغت مئات ملايين الدنانير كانت كفيلة بتحريك عجلة الاقتصاد الأردني من خلال مشاريع إنتاجية تقوم بتشغيل أعداد كبيرة من المتعطلين عن العمل، أضف إلى ذلك أن قيمة الاشتراكات خاصةً بعد قرارات بعض النقابات بزيادة الاشتراكات الشهرية على العاملين بنسب كبيرة يعني حرمان السوق المحلي من تدفق سيولة مالية كبيرة كافية بتحريك القطاعات الاقتصادية كافة والتي يعاني أغلبها من حالة ركود منذ جائحة كورونا وصولاً إلى الحرب على غزة إذا ما علمنا أن أعداد منتسبي النقابات يبلغ مئات الآلاف إن لم يكن أكثر من مليون مواطن أردني جمدوا ملايين الدنانير في حسابات صناديق تقاعد لن يحصلوا منها على شيء (هكذا يقول الواقع الآن) وأثَّروا سلبياً على تحريك عجلة الاقتصاد الوطني.


السؤال الذي يطرح نفسه هنا: هل تبادر الحكومة بالجلوس على طاولة حوار مع النقابات المهنية وبوجود خبراء الاقتصاد المشهود لهم بالكفاءة لإيجاد حلول لهذه الصناديق المنهارة وتضرب عدة عصافير بحجر واحد أم ستبعد عن نفسها تهمة التدخل في الشأن الداخلي للنقابات.
  
*رئيس وحدة المعلومات المركزية/ وزارة الطاقة والثروة المعدنية