ظاهرة غير صحية واكبت النضال العربي

يوسف عبدالله محمود
يوسف عبدالله محمود
ثمة ظاهرة غير صحية واكبت عملية النضال العربي في العصر الحديث تحدث عنها بإسهاب المرحوم د. منيف الرزاز في كتابه الشهير معالم الحياة العرفية وهي “أن كل بلد عربي ناضل وحده ضد الاستعمار من جهة، وضد مظاهر التأخر الداخلية من جهة أخرى دون أن يتعاون مع بقية العالم العربي، وقد عزا د. منيف الرزاز هذه الظاهرة إلى ضمور الوعي القومي العربي أو بالأحرى انتقاؤه لسبب أو لآخر.اضافة اعلان
الخلافات البينية العربية تقف وراء ذلك. مع الأسف ما زالت هذه الخلافات تتراكم يوماً بعد يوم محدثة شرخاً في العلاقات العربية/ العربية.
نتفق حينا ونختلف حينا آخر. لا يحسن الكثيرون منا لغة الحوار.
وفي تطرقه إلى “الأحزاب العربية” يشير د. الرزاز إلى أن وجودها ضروري عربياً لأن الحكم الديمقراطي لا يمكن أن يتحقق بغيرها شريطة أن يكون لها برامج “غير واسعة وفضفاضة”. وهنا أقول مع الأسف فإن هذا الشرط لم يتوفر بعد في معظم هذه الأحزاب.
ينتقد د. منيف الرزاز الناخب في بلداننا العربية الذي يذهب إلى صندوق الانتخاب ليعطي صوته لا إلى هذا الحزب أو ذاك، ولكن إلى هذا الشخص أو ذاك، وكأن الأشخاص هم أساس الحياة الديمقراطية لا الأحزاب. آفه لم نتعاف منها إلى الآن.
لقد أحسن مؤلف كتاب معالم الحياة العربية وصف عللنا القومية وصفا دقيقا، وهي علل طال أمدها. ولا يخفى على أحد أن فشل مشاريع الوحدة العربية يعزى إلى غياب الوعي القومي السليم.
إن الوعي العفوي العاطفي لا يحل الأزمات القومية ولا يحرّر الأوطان، إنه مُخدّر فقط لا يخدم وعياً.
وبكل شفافية أقول إن الأحزاب العربية بحاجة إلى مراجعة أجنداتها حتى تتمكن من ممارسة دورها في النشاط السياسي، وفيما يتعلق بوطننا الأردن فقد سمح للأحزاب السياسية بالعمل العلني منذ عام 1989 ولم يمنع أي حزب سياسي من الترخيص. هناك الإخوان المسلمون والشيوعيون وأحزاب أخرى تعد امتداداً أردنياً لمنظمات فلسطينية مثل الجبهة الديمقراطية وغيرها. 
لكن المشكلة أن هذه الأحزاب السياسية لم تتمكن من توظيف الحياة السياسية المتاحة في تحقيق مكاسب سياسية وبرلمانية، غلبت على معالمها “البيروقراطية”.
يبقى السؤال هل أغنت الأحزاب العربية التجربة الديمقراطية أم أضعفتها؟ في تصوري أن هذه الأحزاب لم تقدم زخماً للتجربة الديمقراطية كما يجب، وهنا أستذكر مقولة للمفكر الكبير الراحل د. سمير أمين، فقد دعا الدول العربية أن تدخل في نوع من الوحدة العربية فيما بينها، وطالما لم تفعل ستبقى “دولا تابعة”.
إن أي إصلاح سياسي عربي ينبغي أن يؤكد على التكامل بين مسارات التحديث السياسي والاقتصادي والإداري، وهذا التكامل ما يزال غائباً. 
دون ذلك لا تحدث عن أي تقدم حضاري عربي. ومما يؤسف له أن ثمة مثقفين كباراً من العرب أمثال لطفي السيد وطه حسين ونجيب محفوظ ولويس عوض وسعيد عقل ادّعو أن هناك اختلافات ثقافية بين مصر وبقية الدول العربية، ومثلها في لبنان فنادوا بقومية مصرية أو لبنانية. هم يزعمون أن هناك “هويات قطرية” تابعة من حضارات مرت على بلدانهم، كأني بهم يهمّشون “القومية”، يهمّشون “المواطنة العربية”.
يبقى أن أقول إن الإنحسار الكبير للتيار القومي العربي يعزى إلى الإخفاق العربي في ترسيخ نهج الديمقراطية وإلى خفوت الوعي القومي كما أشار إليه علماء ومفكرون كبار.
العلاقة العضوية التي تجمع الشعوب العربية لا يجوز التشكيك فيها بدعوى اختلاف الثقافات.
ستظل القومية العربية هي الرابط الذي يؤلف بين العرب. أستذكر في هذا السياق ما ذكره المفكر الكبير المرحوم د. خلود النقيب وهو يقيّم التجربة الناصرية “الظاهرة والممارسة”، يُشيد هذا المفكر بالقيادة الكارزمية التي جسّدها عبدالناصر –رحمه الله- وبمفرداته “كانت القومية الحليف الطبيعي للناصرية وأحد مقومات المشروع الناصري”. خلدون النقيب “الدولة التّسلطية في المشرق العربي المعاصر”. ص149.
ما ذكره الراحل د. منيف الرزاز وخلدون النقيب حول تعميق الوعي العربي ذكره أيضاً المفكر العربي فرح أنطون الذي يمثّل بفكره “العقلية التقدمية للفكر المسيحي” فقد دعا إلى التجديد والارتقاء بالوعي العربي إلى المستوى الذي يخدم القضايا العربية.
خلاصة القول نحن كعرب –وبخاصة المثقفين- بحاجة إلى تبني النزعة العلمية في كتاباتهم التي تفتح كوة نور وسط ظلام التخلف المتمسك بالمعتقدات التقليدية المقاومة للتحضر والارتقاء.
علينا التحرر من هذه المعتقدات التقليدية التي أزمنت وعطلت التقدم.