غبون تكتب: في الذكرى الأولى لرحيلك.. إلى والدي الحبيب

هديل غبون
هديل غبون

هديل عبد الرحيم غبّون

كان مساء معبّدا بالفرح، عندما أخبرتني أمي أنك ستستجمع قواك يا أبي، وتذهب معي في جولة قصيرة بالسيارة، في محاولة لطرد الضجر والبحث عما يبهج النفس في محطّة هنا أو هناك، أو في لقاء على فنجان من القهوة مع بعض إخوتي.

اضافة اعلان

 سريعا، توافقنا تلك الليلة على الاقتراحات العابرة، وأمضينا وقتا ظريفا مؤنسا لم يخل من تحذيري المعتاد لك، بالاكتفاء ببعض اللقيمات في وجبة العشاء الخفيفة. سار مساؤنا طيبا مليئا بالأحاديث والضحكات الحالمة، وبلقاء الأحبة والأحفاد، لكنه سرعان ما تبدّل بمشيئة القدير، إلى أنين يشقّ القلب ويعطّل الحواس!

 لن أسرد تفاصيل علقت بالوجدان، على مدار أيام خمسة مروّعة عشتها وإخوتي بين مستشفى ابن الهيثم الذي نقلنا أبي إليه، بعد حادثة سقوط مفاجئة تسببت له بكسور مضاعفة، وكيف ضاع يوم بأكمله ذهابا وإيابا إلى مستشفى الأمير حمزة المؤمّن فيه للشيخوخة، والحصول على موافقة لاستقباله هناك لحاجته إلى عملية جراحية عاجلة، اصطدمت بسلسلة إجراءات بيروقراطية مميتة بين المستشفيين، بلغت حدّ دخولي  مستشفى الأمير حمزة منتصف الليل، للبحث عن المناوب الإداري والطبيب المقيم في منامته للحصول على تلك الموافقة بشق الأنفس!

رحل أبي بصمته الأخير، وبعبارة وحيدة  هي “الحمد لله” ، بعد أيام عصيبة مرعبة من مداولات مترهّلة بطيئة وباردة، ورحلة تشظي وانهيار أعصاب، بين أقسام الباطنية والجراحة والعظام لخطورة إجراء العملية الجراحية له. وفي الرمق الأخير بعد عناء واتصالات لم تتوقف، قرر نائب مدير مستشفى حمزة  آنذاك، نقله إلى العناية الحثيثة، لكن روحه كانت قد صعدت إلى بارئها!

غادر أبي، في خريف أبديّ  ظهيرة 23 من أيلول 2019، وأنا ما زلت أخشى انهمار تلك الذكريات على رأسي، وأتحايل عوضا عنها مع أمي وإخوتي، باستعادة ذكريات الحياة  البسيطة الجميلة في كنفه الدافئ، بين الكويت وعمّان والقدس، وذلك العطاء الوافر خلال مسيرته في التدريس، وفرحه الموصول بتعليم أبنائه الخمسة في الجامعات واحدا تلو الآخر، على طريقة الكادح المثابر والقابض على الجمر!

 لم يكن عبوس وجهك الظاهري يا أبي، سوى خدعة طبيعية، تخفي وراءها قلبا نقيا متواضعا، وروحا تستفيق وتغفو، على حلم زيارة القدس والصلاة فيها بعد أن حرمه مرضه بعد التقاعد منها؛ إذ ولد وعاش ومات، متمسكا بوثيقته المقدسية وبحقه التاريخي وأرضه، وبذكريات طفولته ونشأته.

رحيلك يا أبي، لن ينسينا صوتك الشجيّ حين كنت ترحّب بأبنائك وأحفادك في زيارتهم لك ولأمي، ولن ينسي فايز وهنادي ورشا ومحمد ما بذلته لهم، ليحصلوا على أرفع الشهادات العلمية في الهندسة والبرمجة، ولن أنسى كيف شجّعتني على دراسة الصحافة التي أحبّ، رغم تكاليفها الباهظة؛ اذ لم أفلح في الثانوية العامة كما يجب،  للالتحاق بالجامعات الحكومية.

ورحيلك يا أبي، لن ينسينا قصصك البهّية في تعرّفك بأمي الجميلة، وبتلك الروابط العائلية والصداقات، التي جمعت عائلتك التي تقطن في الحارة "الفوق" في منطقة الثوري بالقدس، مع عائلة أمي التي تقطن في الحارة “التحتانية” وذكريات شجر التين والتوت وظلال الرمان وشارع صلاح الدين وباب العمود وطريق الآلام، ودراستك في جامعة القاهرة، وأيام الحرب والنزوح في 1948 وفي 1967، حتى حرب الخليج في 1991، التي أعيها جيدا!

لن ننسى يا أبي، رحلة عطائك التربوية والتعليمية في عمّان، وفرحك كل نهاية عام بتخريج آلاف الطلبة الواعدين من الثانوية العامة، الذين يذكرونك باحترام جلل، لمعلّم عشق الجدول الدوري، وشرح المعادلات الكيميائية وأجزاء الذرة بلا كلل ولا ملل!

غادرتَ يا أبي، وكلي يقين بأن قبضتك على يديّ ليلة وفاتك التي تسلّلتُ فيها للمبيت عندك، لم تكن سوى وداع أخير  دون إنذار، ودعوة مكتومة في غيبوبتك على كل مقصّر أقسم يمينه الطبية وأخلف بها، حتى في رحلة مرضك الأولى نهاية العام 2018 في مستشفيات القطاع الخاص.

الآن، لم يعد هناك داع للقلق والألم يا أبي، فأنت في حفظ الرحمن.. ورحلتك الأخيرة إلى  القدس ما تزال تنتظرك حتى يوم القيامة، ومقعدك في الصالة لم يشغله أحد، أما نظارة القراءة وحاجياتك الصغيرة فبقيت في أماكنها... حتى صندوق الأدوية اللعين،  لم أتخلص منه بعد!  كما أن ثمة حزمة من كتبك المدرسية وكراريس الكيمياء وعلوم الأرض، قمت بجمعها حتى تأذن لي بتوزيعها على طلابك في المرحلة الثانوية لهذا العام، لمن يحتاج!

ولعلّي سأكشف لك الآن سرّا!  أتذكرُ ذلك الحذاء المهترئ الذي أخفيته عنك، بحجّة تخلصي منه لنشتري غيره وألححت مرارا باستعادته،  لأنه يريح قديمك!!

لقد احتفظتُ به في الخزانة لأشهر، ولم أدرك إلا متأخرا، أن وقْعَ قدميك المتلهّفتين، وخطاك المتعثرة به نحو كل ما يسعدنا، قد أصبحت حلما مشتهى ووجعا  لا يغيب…

أشتاق اليوم يا أبي، للإنصات إلى خطواتك الحيّة وإلى هدوئك المعتاد، وأنت تبارك لنا صباحاتنا  ذاهبا إلى المسجد لصلاة الفجر كل يوم، و عائدا بابتسامة الرضا رغم التعب إيذانا بيوم جديد لسيرة عائلتك المحبّة، التي تفتقد حماستك عند اللمّات الدافئة وعزايم الولايا، وومضة عينيك عند كل فرح.

رغم الكسر الذي لا شفاء منه بغيابك، سنبقى أبناءك وأحفادك الذين وهبتنا حياتك يا أبي، على عهدك ما استطعنا إلى الحياة سبيلا... ورحمك الله وأسكنك فسيح جنانه وجعلك في علييّن، وأطال وبارك في عمر أمي.. اللهم آمين

الاثنين 23/9/2020