في ذكرى ما حلّ بنا سنة 1948

د. كامل صالح أبو جابر *

أذكر بالدقة يوم النكبة الفلسطينية، 15 أيار (مايو) 1948، وأذكر مدى المرارة والإحباط الذي شعرت به أنا وزملائي وأبناء مدرستي في عمان، ونحن نشاهد ونقرأ ونسمع عن الاحتفالات الصهيونية بإعلان دولتهم. كنا نجلس لساعات طوال؛ أنا وزملائي نتحدث بأبعاد الهزيمة وأسبابها، ونتساءل: "وأين الجيوش العربية وقادتنا آنذاك؟ ولماذا حدث ما حدث؟".اضافة اعلان
حتى اليوم هناك تبرير وهناك تعليل من هذا المفكر العربي أو ذاك، ولكن لا أعتقد أن هناك تفسيرا حقيقيا ومقنعا لنجاح الصهيونية، لا على صعيد منطقتنا وحسب بل وعلى مقدرتها التغلغل في جوف الحضارة الغربية بأكلمها، وتحريف هذه الحضارة عن مسارها الإنساني ومثلها العليا، بالاعتراف بالقانون وحقوق الإنسان وكرامته.
وإلا فكيف يمكن تفسير تصرف العالم الغربي السياسي نحو العرب عامة وأهل فلسطين خاصة، وهم يشاهدون ربيبتهم؛ دولة إسرائيل، وهي تتصرف اليوم تلو الآخر، كما تشاء وتتجاهل القانونين الانساني والدولي اللذين قاموا هم بالدعوة لهما دون أن يحركوا ساكناً، لا بل يبحثون عن الأعذار لتبرير تصرفات هذه الدولة، التي تصل أحياناً حد البربرية؟. ويصاحب هذا التساؤل تساؤل آخر عن كيفية تمكن الصهيونية من السيطرة على الفكر اليهودي وتراثه العريق الانساني وتحريفه ليتصرف قادة دولة الاحتلال كما يتصرفون اليوم؟! هذا على الرغم من وعيهم لتاريخ وعلاقة العرب والمسلمين معهم عبر التاريخ، حيث عاشوا ببلادنا وكانوا مكوناً آخر معترفا به من مكونات الحضارة العربية الاسلامية الرائعة والتعددية، حيث كانت اليهودية والمسيحية والصابئة وغيرها من الأديان والملل والنحل تتعايش بيسر وتراحم، لهم ما لهم وعليهم ما عليهم.
لا شك أبداً بمعاناة اليهود في حضارة الغرب، حيث تم طردهم واضطهادهم وتحقيرهم بأسوأ الصفات، والتي كان أشنعها وأفظعها محرقتهم التي تمت في ألمانيا النازية وإيطاليا الفاشية في القرن العشرين، والتي إن دلت على شيء فإنما تدل على تيار عنصري في الحضارة الغربية، يطل على العالم اليوم بالأحزاب اليمينية المتطرفة، التي تكره كل ما هو ليس غربيا، والتي وللأسف تجد مبرراً لها بما تفعله اسرائيل بأهل فلسطين اليوم.
مثل هذه الأفكار وغيرها تدور في خلدي اليوم، وأنا أستذكر يوم النكبة. وأتوقف عند احتواء الاسلام لليهود برحمته وعباءته عبر التاريخ لا في عواصم الشرق العربي؛ دمشق وبغداد والقاهرة وحسب، بل وفي عواصم الغرب الرائعة، اشبيلية وتوليدو وقرطبة وبلاد الاندلس، واعجب كل العجب لهذا الجحود التاريخي القاسي واللاإنساني.
لم تقم؛ لا النازية ولا الفاشية ولا أحزاب اليمين المتطرف الكارهة لليهود وغيرهم في أدغال افريقيا أو في صحارى العرب، وإنما قامت في أوروبا "المتحضرة": المانيا وايطاليا، بلدا الفلسفة والموسيقى والفن والذوق والإنسانية، ولم تجد هذه العقائد البربرية أي تجاوب لها سوى من أفراد معينين في حضارتنا العربية الإسلامية الرائعة، لا بل وكانت الدول والجيوش العربية الى جانب جيوش الغرب في صراعها القاسي مع النازية والفاشية.
كيف انقلب الدهر؟ لا بل كيف انقلب اليهود علينا؟ وأصبحوا مخلباً قاتلاً وعنصراً مدمراً لنا ولشعوبنا وبلداننا؟ أما الرئيس ترامب فما هو سوى أداة كبلفور قبل ذلك ونابليون قبله، لا علاقة له لا بالتاريخ ولا بالجغرافيا ولا بحقائق الأمور.
واخيراً أقول: إنني وعلى الرغم مما جرى لنا، وعلى الرغم من حالنا التعيس اليوم إلا أنني متفائل بالمستقبل، لما في أمتنا من طاقة على تجديد نفسها كما حدث مراراً بالسابق.
أما الرئيس ترامب ورئيسة الوزراء البريطانية تيريزا ماي فليقولا ما شاءا، لكن للتاريخ منطقه ولحقائق الارض منطقها، وستبقى القدس عربية كما كانت منذ فجر التاريخ، وما علينا نحن أهل الأردن وفلسطين إلا أن نبني بلداننا وأنفسنا ونتحد لنصبح قوة كفيلة باسرائيل وغيرها، ولا نريد مساعدة من أحد لأن الله معنا.

* وزير الخارجية الأسبق.