كيف نقرأ تصنيف عمّان على سلم المدن الذكية؟

عمان
عمان

الدكتور المهندس مراد الكلالده/ مستشار العمارة والتصميم الحضري

غالباً ما يجري التقييم من قبل طرف ثالث، غير صاحب العمل، والمستشار الذي سيلمّع العمل المناط به، وكما يقول المثل الشعبي "ما حدا يقول عن زيته عكر".

اضافة اعلان

 

إلا أن هذه الثقافة غائبة عن مجتمعنا، حيث يستضيف غالبية الإعلاميين المسؤول المباشر، رئيساً أو وزيراً كان أو مدير تنفيذي، وغالباً ما تكون الإجابات بتعظيم الإنجازات، ولو صغرت، والدنيا قمرة وربيع. وبغياب للطرف الثالث. وقد وصل الأمر بنائب لرئيس الوزراء أن يقرّع رئيس بلدية على الهواء مباشرة لعرضه جانب من المشكلات التي تواجهه البلدية، قائلاً، نحن هنا لنتحدث عن الإنجازات.  

 


وتساعد التقارير الدولية في تسليط الضوء على الأرقام الحقيقة التي يحاول الإعلام الإيجابي، غير الجالد للذات كما يحب المسؤول أن يسميه، أن يطوعها لترضي الرئيس أو نوابه، فالمركز 135 من 142 يعنون "عمّان تتبوأ المركز 12 عربياً، ليذهب القارئ بذهنه إلى الفضاء الإيجابي، والبعض الآخر يضع عنوان "عمّان تتقدم على ريو دي جينيرو بالبرازيل بمؤشر المدن الذكية، ولا ننسى العنوان المضلل الآتي "عمّان تسبق تونس وبيروت على مؤشر المدن الذكية" متناسياً أن المدن المذكورة ومن ضمنها عمّان جاءت ضمن آخر سبعة مراكز بالتقييم الذي شمل 141 مدينة بالعام 2023.

 

ولدى بعض المسؤولين أو الإعلاميين جرأة تصل لحد الوقاحة في لي عنق الحقيقة، فإن تقدمت عمّان سبع درجات على سلم المدن الذكية، يصبح هذا هو المانشيت العريض، وأي ذكر لتفاصيل التقييم يصب عند الطرفين الأول والثاني في خانة المتشائمين والسوداويين. 

 


وأراني قد اضطررت لسوق هذه المقدمة الطويلة، حتى أسوّغ للراصدين ما تذكره الأرقام، وهي تلك الصادرة عن مركز التنافسية العالمي IMD بالشراكة مع المنظمة العالمية للمدن الذكية المستدامة WeGO التي تجري تصنيف للمدن الراغبة بالمشاركة في التقييم، وقد تقدمت عمّان ممثلة بأمانة عمّان الكبرى للمشاركة منذ العام 2023.

 

لقد كانت تلك الخطوة جريئة تشكر إدارة الأمانة عليها لتسليط الضوء على مواطن القوة والضعف بغرض تحسين أدائها. وقد تحصلت عمّان في سنتها الأولى للمشاركة على المركز 135 من أصل 141 مدينة مشاركة جرى ذكر أداء كل منها بالتفصيل بالتقرير المسمى Smart City Index (SCI). وتجدر الإشارة إلى أن منهجية تقرير 2023 تعتمد على مسوحات تعكس انطباعات الناس، وقد احتفظت مدينة زيورخ من سويسرا، بالمركز الأول على مدار الخمس سنوات الأخيرة، وهي مدينة زرتها بالعام 2023، وتجولت فيها راجلاً بما يمكنني من إجراء بعض المقارنات، وهي مدينة صغيرة عدد سكانها قرابة نصف مليون نسمة ومساحتها قرابة 88 كيلومتراً مربع. وبالتحرك من المركز الأول إلى حيث نحن بعمّان بالمركز 128 نجد بأن البون شاسع، ولكنه ليس بمستحيل تقليصه فمن أين نبدأ. 

 


الخطوة الأولى هي قراءة نتائج تقرير العام الحالي 2024 والعام الذي سبقه 2023 بتمعن من طرف محايد، وهذا ما سنحاول أن نفعله بهذه المقالة، حيث نجد أن هناك تقدم بالمركز المتبوئ بالتحسن سبع مراتب على سلم التصنيف بالانتقال من المركز 135 إلى المركز 128 بغضون سنة، وهذا جيد. وسنعتمد على التقرير الأحدث للعام 2024، وسنقارن الأرقام بالعام الذي سبقه 2023.

 

وبالعودة إلى المنهجية، نجد بأن التقرير قد أفرد مساحة للموضوعات ذات الأولوية، وطلب من المشتركين بالاستبانة اختيار خمس من المؤشرات الخمسة عشر كأولويات التي يجدونها أكثر إلحاحاً لمدينتهم. وبالنظر إلى الرسم البياني للمستجيبين نجد بأن 66.2% منهم قد رتبوا الأولويات فكانت البطالة كاختيار أول، وتلاها السكن الميسر بنسبة 63.4% وازدحامات الطرق بالمرتبة الثالثة وبنسبة 59.7% يليها الفساد والشفافية بنسبة 48.0%. وبالإمكان قراءة الإجابات الباقية من الشكل (1). 
 
الشكل رقم (1) المواضيع ذات الأولوية للعمّاني، المصدر: تقرير تصنيف المدن الذكية IMD 2024

لقد أفرد التقرير الصفحة رقم 38 منه لعرض نتائج عمّان حيث نرى بأن المنهجية قد قسمت الاستجابة إلى مجموعتين، تُعْنَى الأولى بالبنى التحتية للمدينة تحت عنوان Structures بينما تُعْنَى المجموعة الثانية بالتكنولوجيا. كلتا المجموعتين مقسمة إلى خمسة مجالات هي الصحة والأمان، والتنقل Mobility والنشاطات والفرص (عمل ودراسة) والحاكمية Governance، ويبين الشكل (2) أداء مدينة عمّان وفقاً للاستفتاء.
 
الشكل رقم (2) تقييم البنية التحتية والخدمات التكنولوجية ومحاورها الخمسة لمدينة عمّان ، المصدر: تقرير تصنيف المدن الذكية IMD 2024

ففي مجال الصحة والأمان، الذي شمل ستة بنود، نلاحظ أن هناك تحسن في تقييم خدمات الصرف الصحي الأساسي التي تلبي احتياجات المناطق الأكثر فقراً، ففي العام 2023 كانت النسبة 40.8% وارتفعت بالعام 2024 إلى 54.5% ولم نجد مرجع لتسويغ هذا الارتفاع لعدم فعالية رابط "حق الحصول على معلومة" المبين على الموقع الإليكتروني لوزارة المياه والري.

 

وإن دل ذلك على شيء، فإنه يدل على أن المسؤولية بانخفاض نسبة رضى المواطنين لا تقع على أمانة عمّان وحدها، لأن هناك جهات شريكة يجب أن تعمل كفريق متناغم ومتعاون لتحسين نسبة الرضى بالبنود المختلفة. التقييم الأدنى في محور الصحة والأمان جاء رداً على فقرة "لا يشكل العثور على سكن بأجرة تساوي 30% أو أقل من الراتب مشكلة" حيث سجلت الإجابات ما نسبته 32.0%.

 

صحيح أن هذه النسبة قد ارتفعت من 22.5% المسجلة بالعام 2023، إلا أنها تبقى متدنية مع أن نسبة امتلاك السكن بالأردن حسب تقرير تقرير المجلس الوطني لشؤون الأسرة بالعام 2018 بلغت 62%، وأعتقد بأن هذه النسبة قد انخفضت على نحو ملموس، ولا توجد إحصاءات حديثة تحدد هذه النسبة. المشكلة في السؤال أنه لا يتعرض إلى نسبة تملك المساكن، وأن الإجابات جاءت من عموم المستفتين، وغير محصورة بالشريحة المستأجرة للمساكن، التي تقدر ب 35%. وعليه، فإن الاستجابة المنخفضة نسبياً تؤثر في التصنيف المتأتي من مجموعة البنية التحتية. 

 


أما الإجابة على سؤال "النقل العام مرضي" فقد تمت الإجابة عليها بنسبة 39.2% في عام 2024، فيما سجلت 30.4% في عام 2023، وهذا يعني تحسن بمجال النقل العام الذي توليه أمانة عمّان أهمية كبرى في السنوات الأخيرة، إلا أنه ما زال هناك نحو 60% غير راضين عن النقل العام حسب منهجية التصنيف.

 

وبالسؤال عن الازدحامات المرورية، نجد أن نسبة من أجابوا على جملة "لا تشكل الازدحامات المرورية مشكلة" بلغت 13.8% في تصنيف 2024، بينما كانت 8.1% في العام 2023، أي أنها تحسنت بمقدار 5.7%، ولكن هذه الإجابة معكوسة، بمعنى أن 86.2% يعتقدون بأن الازدحامات المرورية مشكلة. 

 


وقد تحسنت نسبة الإجابات على "المساحات الخضراء مرضية" من 27.6% في العام 2023 إلى 37.6% عام 2024، وهذه قفزة كبيرة قدرها 10% في سنة واحدة تسجل لأمانة عمّان بزيادة عدد الحدائق، إلا أنها ما تزال بحاجة للاستمرار بالتحسين بنفس الوتيرة لسنوات طويلة للوصول إلى نسبة رضى مقبولة. 

 


قرائتنا لنتائج التصنيف تركز على المجالات المتعلقة بالبنية الحضرية، وهذا لا يعني إغفال المجالات الأخرى كالنشاطات والفرص، ولكنها تحتاج إلى قراءة أخرى من ذوي الإختصاص.

 

وعليه، فإنه من غير الإنصاف إلقاء اللوم على أمانة عمّان الكبرى، او المجلس البلدي الذي يدير أي مدينة تدخل التصنيف، وخير مثال على ذلك، مدينة زيورخ التي حصلت على الترتيب الأول عالمياً على مدار خمس سنوات، وهي ليست عاصمة سويسرا. ولهذا نجد بأن روية التحديث الإقتصادي قد استثنت عمّان من هدف رفع تصنيف إحدى المدن الأردنية لتصبح من أفضل 100 مدينة في العالم، واستبدلتها بالعقبة، وذلك لوجود الكثير من المجالات التي لا تمتلك الأمانة سلطة عليها مثل المياه والصرف الصحي، والمدارس، والمستشفيات. 

 


وبالعودة إلى المشكلة الأكبر التي خفضت التصنيف والتي كانت في مجال الحوكمة Governance، فقد كانت الإستجابة لجملة "لا يشكل فساد مسؤولي المدينة أهمية تستدعي الإهتمام" فقد كانت النسبة 12.5% في تصنيف العام 2023 إلا أنها تحسنت لتسجل 19.7% في تصنيف العام 2024، وهذا يعني انه ما زال 80.3% من المستفتين يعتقدون أن فساد موظفي الأمانة يشكل مشكلة تستدعي الإهتمام. وبإمكان الأمانة خفض هذه النسبة بممارسة مزيد من الشفافية على حساباتها المالية وتفاصيل موازناتها.

 

وقد سمعت أمين أسبق لعمّان يقول في ورشة عمل "البؤر والمباني السكنية القديمة والاجراءآت الاستباقية للحد من مخاطرها" والتي عقدت يوم الثلاثاء الموافق 21-5-2024 بمجمع النقابات المهنية بعمّان، بأن مديونية أمانة عمّان الكبرى وصلت الى 900 مليون دينار. أوليس من الأجدر أن تصارح الأمانة دافعي الضرائب أين صرفت هذه المبالغ، وما لها وما عليها، وبذلك سترتفع النسبة التي ستصوت بنعم على سؤال الإستبانة "يساهم السكان في صنع القرار للحكومات المحلية" والتي سجلت 28.7% للعام 2024 .

 

كما أن العلاقة غير المفهومة بين مجلس امانة عمّان الكبرى التي يحكم عملها القانون رقم 18 لسنة 2021 وبين مجلس محافظة العاصمة الذي يعمل بموجب القانون رقم 22 لسنة 2021، قد توهت المواطن، فأي من المجلسين يمثلهم.

 

كما أن الفارق الكبير بين موازنة المجلسين، والتي تبلغ لأمانة عمّان الكبرى للعام 2023 نحو 500 مليون دينار وهو رقم تقديري لعدم العثور على أي رقم رسمي، وموازنة مجلس محافظة العاصمة  للعام نفسه نحو 18 مليون دينار، أي أن موازنة الأمانة أكثر بسبعة وعشرين مرة من موازنة محافظة العاصمة، وعلى الرغم من أن مساحة الأولى أصغر بعشر مرات من مساحة محافظة العاصمة. 

 

إن لهذا التداخل في النطاق الجغرافي يؤثر على التصنيف، لأن نشاطات "العمل والدراسة" تستحوذ على خُمس علامات التقييم، وليس لأمانة عمّان الكبرى سلطة عليها، كما أن إختيارها المكاني القريب من التجمعات السكانية يزيد من الإكتظاظ المروري والمحسوب بالسالب غالباً ضد إدارة المدينة كما ظهر بالتقييم.

 

وقد يحفز هذا التقييم المنخفض إدارة المدينة للتعاون مع مجلس المحافظة، لتفعيل الفصل الثالث من قانون تنظيم المدن والقرى والأبنية المؤقت رقم 79 لسنة 1966 لعمل مخططات التنظيم الإقليمية والهيكلية والهيكلية التفصيلية Master Plans والتي تحدد إستعمالات الأراضي والنطاق العمراني للمدن. 

 


إن إلقاء اللوم على أمانة عمّان لتبوئها المركز 128 من 142 مدينة مشتركة بالتصنيف فيه كثير من الظلم، لأن الأمانة ليست الآمر الناهي بعمّان في ظل وجود مجلس المحافظة المخول بتحديد الأولويات حسب القطاعات، ووجود العديد من المؤسسات المؤثرة مثل سلطة المياه وشركة الكهرباء، علاوة على ذلك، فإن الإدارة المركزية تحتفظ بما تسميه مواضيع سيادية، تُسحب فيها صلاحيات الأمانة وتعطى للمحافظ أو المتصرف الذين يعطي أو يمنع موافقته على إزالة مخالفة بناء أو يجيزها.

 

وعليه يجب أن يتم إيكال موضوع تحسين تصنيف عمّان على قائمة المدن الذكية الى هيئة وطنية عليا تكون أمانة عمّان الكبرى عضواً فيها، وذلك إنسجاماً مع ما جاء بالسياسة الحضرية الوطنية الأردنية تحت ما يسمى لجنة التحضر الوطنية.