لا تعتدوا على أطفالنا

د. أشرف الراعي
د. أشرف الراعي
قرأت خبرا قبل أيام أوردته وكالة الأنباء الرسمية "بترا" لا يمكن له أن يمر مروراً عابراً في أي من الدول المتقدمة، والخبر يقول "القضاء يؤيد توقيف معلمة ضربت طفلا من ذوي الإعاقة"، وبالطبع فقد حركت النيابة العامة الشكوى تجاهها، كون هذا النوع من القضايا لا يتوقف على شكوى، والتي أحالت القضية إلى المحكمة الجزائية المختصة التي قررت بدورها استمرار توقيفها وفقاً لقرار النيابة العامة، لكن "المعلمة" طعنت بقرار التوقيف مستندة في ذلك إلى حجة واهية وهي أنها "ضربت الطفل من ذوي الإعاقة لتؤدبه".اضافة اعلان
هذا المقال ليس الأول الذي أكتب فيه ضد جريمة الاعتداء على الأطفال عموماً، فكيف إن كان الاعتداء على طفل من ذوي الإعاقة، وهنا لا يحق لنا أن نقرر، بل ننتظر كلمة القضاء الذي نثق به حتى تصدر وتصبح "عنوانا للحقيقة"، لكن مشكلة تعرض الأطفال للضرب، والعنف "قضية جدية"، ويجب أن توضع تحت المجهر في الأردن، خصوصا، وأن هناك العديد من النصوص القانونية التي يمكن لها أن توفر غطاء للاعتداء على الأطفال، وتعنيفهم وكل ذلك "بحجة التأديب".
وعلى أي حال، إن حماية الطفل من الضرب والعنف في الأردن هي قضية تُعالج بجدية متزايدة من قبل السلطات الرسمية، والمنظمات الدولية والمحلية، لكن وعلى الرغم من وجود قوانين تهدف إلى حماية الأطفال، إلا أن التحديات ما تزال قائمة وعلينا أن نعترف بها.
وأبرز هذه التحديات كما أشارت الدراسات الصادرة عن اليونيسف أن "نسبة كبيرة من الأطفال في الأردن يتعرضون للعنف التأديبي؛ حيث يعاني 9 من كل 10 أطفال من العنف النفسي أو البدني، وهو ما يشير إلى قبول مجتمعي واسع لممارسة العنف كوسيلة للتأديب"، على الرغم من أن القوانين تحظر ذلك في المدارس ومراكز الرعاية البديلة، وهي أرقام كارثية لا بد من التوقف عندها.
كما لا يتوقف العنف على ضرب الأطفال وتعنيفهم، وإنما تشير الأرقام – وفقا لآخر الدراسات - إلى أن نحو 75 ألف طفل ينخرطون في أعمال اقتصادية، منهم 45 ألفا يعملون في أعمال شاقة وخطيرة، وكل ذلك قد يؤدي إلى ارتكاب الجرائم بحقهم، والاعتداء عليهم وتعنيفهم، لا بل الاعتداء عليهم جنسياً، فضلاً عن انتشار الزواج المبكر وهذه قصة أخرى تحتاج ربما إلى عشرات المقالات للحديث حولها.
وهنا لا بد وأن نشير إلى نص المادة 62 من قانون العقوبات الذي أعتقد بأنه "كارثة تشريعية" لاستخدامه مصطلحا فضفاضا وهو "إباحة التأديب بالضرب" من قبل الوالدين على نحو ما يجيزه العرف، وهو ما يتطلب تدخلاً لتعديله؛ فالضرب لا ينتج إلا جيلا مشوها نفسيا وعقليا وجسديا، ومن هنا جاء إقرار قانون حقوق الطفل في العام 2022 الذي يهدف إلى تعزيز حماية الأطفال من كافة أشكال العنف، والذي واجه "نقاشات واسعة واختلافات في وجهات النظر"، حيث رآه البعض تدخل في حقوق الأسرة، بينما اعتبره آخرون خطوة ضرورية لحماية حقوق الأطفال.
لكن ومن وجهة نظر قانونية وشخصية؛ فإن الأهم اليوم ليس فقط تفعيل نصوص القوانين التي تحمي الطفولة من الانتهاكات الفجة، لا سيما في ظل انتشار المنصات الرقمية ومواقع التواصل الاجتماعي التي يمكن لها أن تساهم أيضاً في زيادة العنف المجتمعي، واستخدام أساليب إجرامية في التعامل مع الأطفال. 
الأهم هو التوعية بحقوق الطفل ومنع الاعتداء عليه أو ضربه، وذلك مسؤولية كبيرة تتحملها وسائل الإعلام ومؤسسات المجتمع المدني وأساتذة الجامعات، والقانونيون والمؤسسات العامة العاملة في هذا القطاع، مسترشدين بتجارب دول أخرى متقدمة في هذ المجال تخرج منها علماء ومبدعون لأنها تتعامل مع الطفل كـ "إنسان" ولا تعتدي عليه أو تهين كرامته بالضرب أو بالعنف أو غيره، من خلال منظمات وطنية يمكن أن تكون فاعلة في هذا القطاع وضمن استراتيجية وطنية كبرى تعزز من الحماية وتقررها لصالح الطفولة.