"مستقبل البترول العربي في كازينو العولمة": انتاج النفط الأميركي والسعودي (5 - 6)

غلاف الكتاب
غلاف الكتاب

عبد الحي زلوم

عمان- قامت خلال العام 2013 ضجة اعلامية كبرى خصوصاً في الولايات المتحدة، والغرب بأن الولايات المتحدة قد فاق انتاجها من النفط انتاج المملكة العربية السعودية وأنها قد حققت استقلالها في مجال الطاقة ولم تعد بحاجة الى العربية السعودية. وأن ثورة قد حصلت في مجال. تكنولوجيا الطاقة والتي مكنت الولايات المتحدة لتتبؤ مركز الصدارة هذا. فهل هذا صحيح يا ترى؟ أما ان ثورة تكنولوجية قد حصلت خلال العقدين الاخيرين في وسائل انتاج النفط والغاز فذلك أمر صحيح وذلك في مجال الاستكشاف والانتاج في مياه البحر العميقة وكذلك في الانتاج من النفط الجبسي (Tight Oil) ومن صخور 

اضافة اعلان

الـ. Shale Oil كذلك تم انجازات كبيرة في التحكم بكميات النفط او الغاز الممكن انتاجها من حقل ما (Recoverable oil) وذلك بوضع مجسّات (Sensors) في أجزاء متفرقة من الحقل يتم ربطها مع اجهزة حواسيب تقوم بعمل أدق الحسابات للاستغلال الامثل للحقل وبأعمال المراقبة أيضاً.

ولكن الجزء الثاني من الادعاء بأن انتاج الولايات المتحدة من النفط قد فاق انتاج العربية السعودية فذلك غير صحيح. انتاج النفط في الولايات المتحدة بعد كل الاكتشافات الجديدة من Shale Oil بواسطة الوسائل الجديدة من التكسير الهيدروليكي (Fracking) والحفر الافقي هو سنة 2013 حوالي 7.5 مليون برميل، و3مليون من هذا الرقم جاء من استعمال التكنولوجيا الجديدة آنفة الذكر من استكشاف وانتاج البترول من طبقات الـ Shale Oil لكن المغالطة الاتية من الصحافة الغربية المعادية دوماً لاي خير عربي أو اسلامي هو أن مجموع ما تم انتاجه سنة 2013 من مواد هايدروكاربونية من نفط وسوائل مصاحبة للغاز وكذلك الميثانول المنتج من النباتات يساوي أو ربما زاد بكمية لا تكاد تذكر عن انتاج النفط السعودي تقدر بـ300 الف / برميل. ومجموع انتاج المواد الهيدروكاربونية الاميركية ياتي من:

7.4 مليون برميل من انتاج البترول بما في ذلك حوالي 3.2 مليون برميل من نفط الـ .Shale Oil

2.5 مليون برميل من السوائل الخفيفة المصاحبة لانتاج الغاز من ابار الغاز.

مليون برميل من البيوفيول (Biofuel) من الميثانول المنتج من المنتوجات الزراعية.

1.3 مليون برميل من اتحاد الهيدروجين مع السوائل النفطية المكررة بواسطة عمليات (الهدرجة) في مصافي التكرير. المجموع لاعلاه هو 12.2 مليون برميل مقابل 11.9 مليون برميل نفط. إن انتاج السعودية للنفط فقد كان 11.9 مليون برميل مقابل 7.4 مليون برميل بترول للولايات المتحدة. علماً بان السعودية ستزيد طاقتها بسهولة بـ 2 مليون برميل يومياً خلال السنتين القادمتين. إذا أضفنا سوائل الغاز والكميات الناتجة عن اتحاد الهيدروجين في عمليات التكرير للانتاج النفطي لاصبح المجموع يزيد عن مجموع المنتجات الهايدركربونية المنتجة في الولايات المتحدة.

وسوف نأخد بجميع العوامل المختلفة لنبيّن ان اعتماد الولايات المتحدة على النفط العربي سيبقى ما بقيت اميركا أو ما بقي النفط العربي قبل ان ينضب، أيهما اول. فالنفط بالنسبة للولايات المتحدة هو طاقة، وانتاجها لن يغطي استهلاكها الى الان ولا في المدى المتوسط ولا حتى البعيد، وكذلك فالبترول المدفوع ثمنه بالدولار هو غطاء دولاراتها وهو عماد نظامها المالي

كما بيّنا في فصل سابق. كذلك فليس هناك مقارنة ما بين احتياطي الولايات المتحدة واحتياط دول المنطقة العربية.

تصاعد كلفة الاستخراج والانتاج من المياه العميقة

حيث أن انتاج النفط من اعالي البحار يُمثل ثاني أكبر مصدر لانتاج النفط الاميركي الى ما قبل الاستخراجات الحديثة فسنضرب مثلاً على التسلسل في صعوبة وكلفة الانتاج الامريكي حتى من النفط التقليدي من أعالي البحار. في صباح 20/4/2010 أقلعت طائرة هيلوكبتر من ساحل ولاية لويزيانا وعلى متنها فريق من مديري شركة البترول البريطانية BP وشركة ترانس أوشن الشركة المالكة للحفارة البحرية العملاقة عالية التقنية Deepwater Horizen ديب ووتر هورازين والتي كانت تنهي اخر اعمالها الروتينية فوق البئر البحري ماكوندو. كانت الحفارة البحرية ديب وتر هورازين مستأجرة من شركة BP منذ أن انتهى بناؤها قبل 9 سنوات حيث قامت بحفر العديد من الابار العميقة حتى عمق 35000 قدم. أما في ذلك اليوم فكانت الحفارة قد انتهت من حفر البئر البحري فوق مياه عمقها 5000 قدم، وكان المدراء المشار اليهم اعلاه قد ذهبوا لتهنئة طاقم الحفارة على سجل السلامة التي رافقت عملياتها منذ انطلاقها قبل 9 سنين. عمق البئر ماكوندو الاخير كان 13000 قدم تحت ارض. البحر في خليج المكسيك وعلى بُعد (66) كم في عرض البحر بعيداً عن الشاطئ.

كان على الحفارة أن تغلق البئر بالاسمنت، وهو اجراء روتيني، لتنتقل إلى موقع أخر ويحل محلها ناصية الانتاج لبدء انتاج وضخ البترول من البئر إلى اليابسة فالاسواق. في الساعة 9:41 من مساء اليوم نفسه أتصل ربّان سفينة كانت على مقربة من الحفارة برّبان الحفارة ديب وتر هورازين يعلمه بأنه يرى طيناً يندفع بقوة شديدة فوق الحفارة. أعلمه طاقم الحفارة بأنهم يواجهون صعوبات وعليه الابتعاد مأ أمكن عنهم.

اتصل قائد الحفارة بإدارته وأعلمهم أنهم يواجهون صعوبات حيث أن البئر قد انفجر – خط الدفاع الاخير كان محاولة الاطباق على الانبوب الخارج من البئر بواسطة جهاز اسمه مانع الانفجار- وهو كماشه تطبق على الانبوب وتغلقه تماماً. وزن هذا الجهاز 450 طن وطوله يوازي طول عمارة من خمسة طوابق يتم وضعه على سطح أرض البحر لاستعماله في مثل هذه المهات. تم اغلاق انبوب فتحة البئر، ولكن بقيت فتحه حوالي 3 سنتيمتر لم يتمكن من اغلاقها.

وفي الساعة 9:47 بدء الغاز يتدفق من البئر وفي الساعة 9:49 شراره ما فجرت الغاز وطار جزء من الحفارة العملاقة وأحاطت النيران الحفارة من كل اتجاه. وبعد يومين غرقت وأصبحت أثراً بعد عين. مات (11) من الـ 126 من العاملين على الحفارة وجرح آخرون.

في مقابل هذا كله عمق البئر الاول الذي تم حفره في ولاية بنسلفانيا سنة 1859 كان(69) قدما فقط. وكان على مقربة من سيل جاري له آثار نفط من الشقوق الصخرية المجاورة. وبدأت الشركات تبحث عن النفط وتحفر إلى أعماق أكثر فاكثر كلما تقدم الزمان حتى أن كافة الاكتشافات الارضية المهمة كانت قد اكتشفت بحلول السبعينا ت من القرن الماضي. وتزداد الكلفة مع الأيام سواءاً للتكنولوجيا الاكثر تعيقداً كلما خرجنا عن خانة البترول التقليدي والرخيص كالانتاج العربي إلى الانتاج من اعالي البحار كما في حالة الديب ووتر هورازن في خليج المكسيك والذي تُشكل 90 % من الاكتشافات الامريكية الحديثة قبل الانتاج الاخير من منطقة الـ shale oil. ولكي نكّون فكرة عن كلفة الاستخراج من هذه المياه العميقة فإن الاجرة اليومية التي تدفعها BP إلى أصحاب الحفارة كانت حوالي نصف مليون دولار في اليوم، كما أن كلفة تشغيل الحفارة لليوم الواحد هي ايضا بحدود نصف مليون دولار وكلفة حفارة مشابهة بتاريخ غرقها حوالي مليار دولار. وزن الحفارة القائم كان 32588 طنا والوزن الصافي 9778 طنا. وكانت مزودة بأحدث نظم المعلومات التي تبث مباشرة كافة المعلومات الفنية اثناء الحفر الى مركز القيادة في الحفارة نفسها وايضاً إلى مركز القيادة الفني في مقر الشركة في هيوستن تكساس.

بالاضافة إلى كلفة الايجار والتشغيل للحفارة البحرية اعلاه بحدود المليون دولار يومياً فإن نتائج مثل هذه الحوادث كارثية تستطيع أن تهز كيان شركة مثل BP والتي هي ثالث أكبر شركة للطاقة في العالم بل ورابع أكبر شركة في العالم بمقياس الدخل، إذ بلغ دخلها سنة 2009 (240) مليار دولار.

غطى تسريب النفط مساحة 6500 كيلو متر مربع من مياه خليج المكسيك وهدد سواحل لويزيانا، مسيسبي، الاباما، تكساس وفلوريدا اذ كان التسريب

حوالي 35000 برميل/اليوم ولقد أجبرت الحكومة الاميركية شركة BP أن تؤمن 20 مليار دولار كجزء من التعويضات للمتضررين من هذا التسرب، كما اضطرت الشركة أن ترهن ما يعادل 20 مليار دولار من ممتلكاتها في الولايات المتحدة كضمانة لدفع تلك التعويضات واضطرت لبيع 10 مليار دولار من أصولها في الولايات المتحدة. كما وهبطت أسهمها بمقدار 52 % في غضون 50 يوما واصبحت هذه الشركة العملاقة عرضة لللاستملاك من شركات نفط أخرى وبدأت بالبحث عن ممولين بما فيهم بعض الصناديق السيادية الخليجية مثل صندوق أبو ظبي للاستثمار.

الانتاج البحري

بدأ الحفر بداية في اعماق ضحلة وقريبة من الشاطئ، وكان أول محاولة في الحفر في مسافات بعيدة سنة 1947 من قبل شركة كير ماغي في موقع يبعد حوالي 15 كيلو مترا عن الشاطئ. تم بدأ الحفر في بحر الشمال حيث. سرعة الرياح تصل احياناً الى أكثر من 200كم / الساعة. في شهر تشرين الأول (أكتوبر) 1969 تم العثور على نفط في حقل ايكوفيسكت. لم يكن الانتاج اقتصادياً حيث كانت كلفة الانتاج (7 دولار) للبرميل بينما سعر البرميل العالمي حوالي 2 دولار. وفي مكان آخر من الكتاب نبين أن أحد أهداف حرب 1973 كان رفع لاسعار البترول والتي جعلت نفط بحر الشمال ذا جدوى اقتصادية.

وبذلك بدأ الانتاج التجاري من بحر الشمال حيث وصل الانتاج الى 3.5 مليون برميل/ اليوم سنة 1985 موزعة بين بريطانيا والنرويج. ولكن تبقى مياه بحر الشمال ضحلة نسبياً. وبالانتاج من حقوله نشأ ما تم تسميته نفط دول خارج أوبك (non –Opec Oil). وكان هناك انتاج من الخليج العربي بواسطة الشركة العربية اليابانية AOC والتي كانت تنتج من البحر في منطقة الخفجة والتي كانت ضمن المنطقة المحايدة بين الكويت والسعودية وانضمت أخيراً الى ارامكو السعودية. كما حفرت السعودية آباراً في حقل السفانية البحري في الخليج في فترة الخمسينيات والستينيات من القرن العشرين.

الانتاج من اعالي البحار

كانت شركة بتروبراس البرازيلية هي الرائدة في الحفر والانتاج من اعالي البحار حيث حفرت سنة 1992 فوق مياه المحيط بعمق 2562 قدم فوق قاع المحيط بعد سنوات من العمل الشاق. في تلك الاثناء طورت شركة شل تقنية متطورة وجديدة لتحديد المناطق الواعده تحت مياه البحار.

وعلى عمق 2864 قدما تم العمل بواسطة حفارة بحرية عملاقة يعادل ارتفاعها ما يوازي 26 طابقاً، وتم وضع معدات الانتاج سنة 1994 حيث ما لبث أن وصل الانتاج الى 100 الف برميل/ اليوم. كان المشروع بحاجة الى تسع سنوات و102 ملياردولار لانجازه. وبهذا الانجاز انفتح خليج المكسيك على مصراعيه للاستكشاف والانتاج من اعالي البحار. فارتفع الانتاج البحري منه من 1.5 مليون برميل / اليوم سنة 2000 الى 5 مليون / اليوم سنة 2009 اي بما يزيد عن انتاج الكويت بمرّة ونصف. وفي هذه الفترة تم حفر 1400 بئر استكشافي وانتاجي في المياه العميقة، وفتح الباب أمام ما يسمى بالمثلث الذهبي في المحيط بين خليج المكسيك وشواطئ غرب افريقيا وشواطئ البرازيل. وما بدأت الشركات الامريكية في الانتاج على شواطئ غرب افريقيا حتى سارعت الولايات المتحدة بانشاء قيادتها العسكرية Africom افريكوم على غرار القيادة المركزية لدول الشرق الاوسط وشمال افريقيا Centcom سنتكوم.

وسارعت كافة شركات النفط العملاقة بالتسارع للانتاج البحري بالرغم من كلفته التي لا تقارن مع كلفة الانتاج الرخيص في العالم العربي، حيث قد تزيد الكلفة عن العشرة وعشرين ضعفاً، فقامت شركة شيفرون فعلاً بالحفر بمسافة 250 كم داخل خليج المكسيك في موقع يقع جنوب شرق مدينة نيو اولينز. كانت المياه بعمق 6500 قدم حيث ركّبت منصتها البحرية بلايند فيث العملاقة والتي تزن 40000 طن وارتفاعها يوازي ارتفاع عمارة من 29 طابق. وكما في كافة المشاريع البحرية العميقة، يتم استخدام الانسان الالي Robot لعمل كافة التمديدات في قعر البحر وربطها مع فوّهة الابار الاربعة المنتجة من هذا الحقل.

يتم حوالي 30 % من انتاج النفط العالمي أي 26 مليون برميل من مياه البحر الضحلة في بداية الامر والعميقة لاحقاً. فاليوم يتم انتاج 6 ملايين برميل/ اليوم من اعالي البحار.

المقارنة بين انتاج السعودية والولايات المتحدة

لا يوجد اساساً مقارنة بين الانتاج الاميركي الجديد واعتباره تهديداً الى النفط العربي او السعودي لاعتبارات عديدة هذا بعضها:

أولاً: الزيت الصخري

فإن الابار المنتجة عن طريق الحفر الافقي لآبار الزيت الصخري عمرها قصير. ومع أن عمر التكنولوجيا المستعملة هو أيضاً قصير الا أنه بدا واضحاً كما جاء في مجلة بزنس ويك (10اكتوبر2013) فإنه مثلاً بدأ الانتاج في البئر 1-3H Serenity برقم محترم نسبياً وهو 1200 برميل / اليوم سنة 2009. اما في منتصف 2013 فلقد هبط الانتاج الى 100 برميل/ اليوم فقط. كان هذا في ولاية أوكلاهوما. وكمثال آخر فالبئر المعروف Robert Heuer 1-17B بدء انتاجه في ولاية داكوتا الشمالية بقدرة 2358 برميل / اليوم سنة 2004 ولكن انتاجه انخفض 69 بالمئة في السنة الاولى فقط.

لكي يحافظ المستثمرون على كمية انتاجهم من الحقل الواحد يضطرون الى حفر مزيد من الابار للتعويض عن النقص السريع للانتاج. هذه الظاهرة أطلق عليها رجال النفط بظاهرة الملكة الحمراء (Red queen) وذلك نسبة الى الملكة الحمراء التي تقول الى اليس (Alice) في احد الافلام الاميركية :

"عليك الركض بكل قواك لتستطيعي البقاء في المكان نفسه"

ثانياً: الانتاج

 ان هذا الانتاج مرتفع الكلفة أكثر بكثير من انتاج السعودية أو أي من الدول العربية الاخرى: تقدّر شركة غلوبال سستينبلتي الاستشارية أن الولايات المتحدة بحاجة الى حفر 6000 بئر جديدة كل سنة بكلفة 35 مليار دولار للمحافظة على المستوى الحالي من الانتاج فقط. واستطردت الدراسة أن الابار الجديدة المكتشفة طاقاتها الانتاجية بداية ضعيفة مما يعني ان الاماكن الاكثر انتاجية قد تم الانتاج منها. وتتوقع. الدراسة ان يصل الانتاج من هذا النوع من الابار لذروته بحلول سنة 2017 لكن هذا الانتاج سيهبط خلال سنتين أي سنة 2019 الى مستويات سنة 2012.

ثالثاً: حفر الآبار

يحتاج حفر البئر ملايين الغالونات من الماء مما يسبب العديد من المشاكل لتوفير هذا المصدر في ولاية تكساس ونيفادا. بالرغم من هذه المشاكل غير المتواجدة في انتاج النفط العربي الا ان هذا الانتاج هو فعلاً ثورة تكنولوجية، وأيضاً اقتصادية حسنت من ميزان المدفوعات التجاري الامريكي لكنها لم تنقذه.

رابعاً: الولايات المتحدة بحاجة الى استيراد

 ومن المناسب أن نذكر هنا أن الولايات المتحدة تستهلك حالياً حوالي 18.5 مليون برميل يوميا فهي بحاجة الى استيراد حوالي 6 مليون برميل يومياً بعد كل هذه الثورة وتلك الانجازات وهم رقم يساوي تقريباً مجموع انتاج الكويت والامارات العربية المتحدة أو نصف الانتاج السعودي.

خامساً: الاحتياط العالمي المثبت للنفط

يتضح من الجدول المرفق بان احتياطي النفط الاميركي براً وبحراً هو 23 مليار برميل بينما احتياط المملكة العربية السعودية هو 268 مليار برميل، أي ان احتياطي العربية السعودية أكبر من الاحتياط الاميركي بـحوالي 12 مرة. وبينما الاحتياط السعودي هو في المرتبة الثانية عالمياً فإن الاحتياط الاميركي مرتبته الرابع عشر وهو يأتي بعد ايران العراق، الكويت، الامارات العربية المتحدة، ليبيا وحتى قطر.

ونلاحظ هنا أن ترتيب الاحتياطي للدول قد تغير في السنوات العشر الاخيرة، فأصبحت صاحبة الاحتياطي الاول هي فنزويلا. ...نتيجة اضافة احتياطي الزيت الثقيل جداً الى مجموع احتياطها بعد ان بدأ العمل في استغلاله وأصبح مصنفاً بأنه مجد اقتصادياً. كذلك كندا والتي كانت تملك فقط 5 مليارات برميل من الاحتياطي فقط أصبحت ثالث مالك للاحتياط الكبير بالعالم بعد أن بدأ الانتاج الاقتصادي من بترول الرمل (sand Oil) وتصديره بالملايين من البراميل.

لا شك ان زيادة الانتاج في الولايات المتحدة قد ساهمت الى حد كبير بزيادة الاحتياط النفطي من 16 مليار برميل سنة 2008، الى 17 مليار سنة 2009 الى 19 مليار برميل سنة 2010 الى 21 مليار سنة 2011 والى 23 مليار

برميل سنة 2012، ومع ان هذه الزيادة في تلك السنوات الاربع تعني زيادة 44 % الا أنها كميّاً تعتبر زيادة متواضعة.

نضوب النفط

ما يتفق عليه الجميع ان النفط مادة آيلة النضوب ولكن هناك وجهات نظر عن متى سيكون هذا النضوب. ولكن أيضاً يتفق أكثر الخبراء على أن النفط التقليدي الذي عرفه العالم طوال القرن العشرين سينتهي آجله قبل نهاية هذا القرن ومنه النفط العربي. ولقد بدات فعلاً مرحلة بداية الانحدار في احتياطات النفط التقليدي خارج العالم العربي وكما في نفط بحر الشمال وكثير من الحقول في مناطق مختلفة من العالم.

التقدم العلمي الهائل الذي صاحب عمليات استكشاف وانتاج النفط في السنوات العشرين الماضية، سمحت بزيادة الانتاج من النفط التقليدي من اعالي البحار وعلى اعماق مياه وصلت الى 6000 قدم، والى ابار ذات اعماق تحت سطح البحر بـ 35000 قدم، ولكن الكلفة عالية. حادثة BP سنة 2010 كادت ان تكلف شركة عملاقة ليس فقط استمراريتها بل زادت كلفتها لتاريخه عن 20 مليار دولار. كل ذلك يوصلنا الى النتيجة إن عهد النفط السهل والرخيص قد ولّى الى غير رجعة.

وكان كنغ هيوبرت متقد الذكاء حيث تخرج في الجيولوجيا والفيزياء والرياضيات وحصل على شهادة الدكتوراة من جامعة شيكاغو. عمل استاذاً في جامعة كولومبيا لكنه كان يُعْتَبَر (مشاغباً) حيث انه كان من قادة حركة اسمها (التكنوقراطية) والتي نظّر اعضاؤها أثناء الكساد الكبير في فترة الثلاثينيات من القرن العشرين بأن اصل البلاء هو في السياسيين وفي الاقتصاديين الذين ينظرون نظرياتهم حسب الطلب من اصحاب السياسة والمال لو كان تكنوقراطيون في عصرنا هذا لو كنت منهم. قال التكنوقراطيون أن عمليه ما يسمى بالديمقراطية هي مؤامرة وخديعة حيث اتقن اصحاب النظام اخراجها عن محتواها ومفهومها الحقيقي. كما نظّر التكنوقراطيون أن على العلماء والمهندسين مسك زمام الامور لتسييرها بطريقة علمية. لم يتم ترقية كنغ هيوبرت في جامعة كولومبيا ربما نتيجة لافكاره، فاستقال وذهب ليعمل في شركة شل. كان هيوبرت من السباقين في الابحاث العلمية. لكن ما يهمنا هنا هو بحثه الذي قدّمه سنة 1956 في سان انتونيو، تكساس وقال فيه أنه توصل في حساباته ان الولايات المتحدة ال 48 (قبل انضمام الاسكا وهاواي للاتحاد الاميركي) ستصل الى ذروة انتاجها قبل سنة 1970، وسيبدأ الانتاج الامريكي بالهبوط بعد ذلك التاريخ. قابلت صناعة النفط وكذلك الحاضرون ورقته بكثير من العداء والاستهجان بحيث أن هيوبرت قال حينها :" ظننت أن الحضور كانوا سيشنقوني على أول عمود كهرباء خارج القاعة”. لكن ما حصل هو أن انتاج النفط الامريكي قد وصل ذروته فعلاً سنة 1970 حيث أيضاً كان الاستهلاك مساوياً للانتاج. وبقي الانتاج في هبوط الى ان وصل الى 4.5 مليون برميل / اليوم منتصف العقد الاول من القرن الواحد والعشرين. اما زيادة الانتاج الامريكي منذ 2004 لليوم فهي من البترول غير التقليدي عالي الكلفة والمخاطر. أما جامعة كولومبيا فأرادت أن تُكفّر عن تصرفها تجاه هيوبرت فقامت بمنحه جائزة فيتلسن وهي اعلى جائزة شرف في حقل الجيولوجيا وإن كان ذلك بعد 40 سنة من ترك هيوبرت لتلك الجامعة.

نستطيع أن نستنتج أن الضجة الاعلامية الاخيرة لم تكن دقيقة لو احسنا النية أو انها كانت لغرض في نفس يعقوب لارهاب الدول العربية المنتجة للنفط. سيبقى النفط العربي هو الافضل عالمياً من حيث كلفة انتاجه ونوعه وقربه من البحار وموانئ التصدير وكميات احتياطاته.

ماذا لو انخفض انتاج النفط العربي؟

اقتبسنا قبل بداية هذا الفصل ما جاء في دراسة مادة الحالة 096-383-9 في كلية الدراسات العليا للإدارة في جامعة هارفارد والتي تقول "السيطرة على سعر النفط وكمية انتاجه هما من ركائز الامن القومي الاميركي". وبدون مواربة ولغة مطاطة فاختصار هذا القول هو أن الولايات المتحدة هي التي تحدد كميات الانتاج من النفط خصوصاً للدول المنتجة الكبرى لهذه المادة وكذلك تتحكم بأكثر من طريقة في السعر.

لذلك ليس سراً ان اكثر الدول في منطقتنا تنتج أكثر بكثير من حاجاتها للتنمية الاقتصادية مما يحول أثمان الفائض عن تلك الحاجة الى خزائن الولايات المتحدة لسد عجوزات ميزانياتها أو في احسن الاحوال الى اسهم في شركاتها لتدعيم اقتصادها.

إذن لو تمّ خفض الانتاج الى قرابة احتياجات الدول لاقتصاداتها لكان ذلك نعمة من السماء عليها. دعنا هنا نعطي مثالاً. لو فرضنا أن دولة تنتج عشرة ملايين برميل يومياً ومخزونها مئتا مليار برميل عندئذٍ سينضب نفطها خلال 55 سنة. لكنها لو انتجت حاجتها فقط ولنفرض انها 4 مليون برميل في اليوم عندها سينضب احتياط نفطها بعد 137 سنة. إن الانتاج الكافي فقط لتنمية دون فوائض تبادل مادةً ثمينة كالنفط مقابل أوراق تعاد الى اصحابها بطريقة أو بأخرى هو ما يجب أن تتطلّع اليها الدول المنتجة إن امكنها. وأقول صراحة أن ذلك من باب التمنيات وليس بمقدورها أن تفعل ذلك دون تصادم في المصالح مع القوى العالمية المهيمنة وذلك يحتاج الى مقومات قد لا تكون متوفرة في الوقت الحالي.

من المؤسف حقاً أن القوى العظمى المهيمنة على العالم هذه الايام تعتقد ان وجود أكثر احتياطيات النفط تحت اراض عربية أو اسلامية هي صدفة جيولوجية لا أكثر. فهم يرون أنهم هم من قام بإكتشاف واستخراج ونقل وتكرير النفط وهم من يستعملونه في صناعاتهم ومزارعهم واساطيلهم التجارية والحربية ولا يرون بأساً أن يكون لهم نصيب الاسد من هذه الثروة. وهم يعتقدون أنه يكفي اصحاب "الصدفة" الذي وقع النفط تحت اقدامهم أن يشتروا ما ارادوا من سيارات يصنعونها لهم ومن طيبات المأكولات ما ارادوا، ومن أمراض السكر كما يشاؤون.