مستقبل التعاون الصيني العربي

د. حسن عبدالله الدعجة
د. حسن عبدالله الدعجة

يأتي انعقاد المؤتمر الوزاري العاشر لمنتدى التعاون الصيني العربي، والذي يشكل المؤتمر الوزاري الأول منذ انعقاد القمة بين العربية الصينية ،التي عُقدت بين قادة الدول العربية ورئيس جمهورية الصين الشعبية في 9 ديسمبر 2022 في مدينة الرياض- السعودية، حيث جاءت هذه القمة خلال الزيارة الرسمية لرئيس جمهورية الصين الشعبية، شي جين بينغ، إلى السعودية.اضافة اعلان
وهدفت هذه القمة إلى تعزيز العلاقات الثنائية بين الصين والدول العربية، ومناقشة القضايا ذات الاهتمام المشترك، وتعزيز التعاون في مختلف المجالات الاقتصادية والسياسية والثقافية، وشكلت حدثًا تاريخيا ذا أهمية كبيرة، حيث هدفت إلى البناء على الإنجازات السابقة ورسم مستقبل العلاقات بين الطرفين، وتمتين الصداقة بين الصين والدول العربية التي تتميز بالعمق. ومع إقامة شراكة استراتيجية بينهما، أصبحت التبادلات رفيعة المستوى أكثر نضجًا، مما يوفر أساسًا متينًا لعلاقات مستقرة ومتطورة.
وتتقاسم الصين والدول العربية قيمًا مشتركة، وتدعم بعضها بعضا بقوة في اتباع نماذج التنمية المستدامة المستقلة، ويعزز هذا التعاون الشامل العلاقات الثنائية ويسهم في تحقيق أهداف التنمية المشتركة. ومن خلال هذه الشراكة، يسعى الجانبان إلى تبادل الخبرات والمعرفة في مجالات متعددة مثل الاقتصاد، التكنولوجيا، التعليم، والثقافة، مما يؤدي إلى تحقيق فوائد متبادلة ومستدامة.
وتُعزز هذه العلاقة الاستراتيجية من قدرة الطرفين على مواجهة التحديات العالمية، والعمل سوياً نحو مستقبل أكثر ازدهارًا واستقرارًا. وإن الالتزام بتطوير وتنفيذ نماذج تنمية مستدامة ومستقلة يعكس التوافق العميق بين الصين والدول العربية في الرؤية والأهداف، ويدفع بالعلاقات إلى مستويات جديدة من التعاون والتكامل، مما يسهم في تحقيق التنمية المستدامة والازدهار المشترك. إن الالتزام المشترك بدعم السيادة الوطنية واحترام مسارات التنمية المختلفة يعزز من استقرار وتقدم العلاقات الثنائية، ويفتح آفاقًا جديدة للتعاون المستقبلي الذي يخدم مصالح الطرفين ويسهم في تحقيق الاستقرار الإقليمي والدولي. وتدعم الصين والدول العربية بقوة القضايا المتعلقة بمصالحها الأساسية. ويتجلى هذا الدعم المتبادل في التعاون الوثيق على مختلف الأصعدة، بما في ذلك السياسية والاقتصادية والأمنية.
كما تدعم الصين القضايا العربية العادلة بقوة، ولا سيما قضية فلسطين وحل الدولتين. وتُعبر الصين عن موقف ثابت في دعم حقوق الشعب الفلسطيني، مؤكدةً على ضرورة إقامة دولة فلسطينية مستقلة ذات سيادة كاملة على حدود عام 1967 وعاصمتها القدس الشرقية، كما يُعتبر دعم الصين لحل الدولتين جزءًا من التزامها بالمبادئ الدولية للعدالة والسلام، حيث تشدد على أهمية التوصل إلى حل عادل وشامل ودائم للقضية الفلسطينية من خلال المفاوضات السلمية، كما تدعو الصين إلى احترام القرارات الدولية ذات الصلة وتطالب بوقف الأنشطة الاستيطانية الإسرائيلية التي تُعيق عملية السلام. ومن خلال هذا الدعم، تسعى الصين إلى تعزيز الاستقرار في منطقة الشرق الأوسط، وتؤكد على أهمية تحقيق السلام العادل الذي يضمن حقوق جميع الأطراف، ويمهد الطريق لتحقيق التنمية والازدهار الإقليمي.
وان الشراكة الاستراتيجية الصينية العربية تعمل على تعزيز تبادل الخبرات والموارد لتحقيق التنمية المستدامة، ومعالجة التحديات المشتركة مثل الإرهاب والنزاعات الإقليمية، كما تسعى الصين والدول العربية إلى تعزيز التفاهم المتبادل والحوار الثقافي، مما يسهم في بناء جسور من الثقة والتعاون المستمر بين الامتين. كما يُعتبر هذا التعاون نموذجًا يحتذى به في العلاقات الدولية، حيث يعكس التزام الجانبين بتحقيق الاستقرار والازدهار المشترك، وتعزيز السلام العالمي من خلال الشراكات الاستراتيجية القائمة على الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة.
اضافة الى ذلك تشترك الصين وجامعة الدول العربية على العمل على  بناء نظام دولي أكثر عدلاً واستقرارًا ومعقولية، ويُعتبر هذا التعاون جزءًا من رؤيتهما المشتركة لتعزيز التعددية والعدالة في العلاقات الدولية، ومواجهة التحديات العالمية بطريقة منصفة، ويسعى الجانبان إلى تحقيق هذا الهدف من خلال دعم مبادئ القانون الدولي، وتعزيز التعاون في مجالات التنمية المستدامة، والتجارة العادلة، ومواجهة التغير المناخي، والقضاء على الفقر. كما يركزان على أهمية الحوار والتفاهم بين الثقافات والحضارات المختلفة كوسيلة لتعزيز السلم والأمن الدوليين.
ومن خلال هذه الشراكة، تؤكد الصين وجامعة الدول العربية على التزامهما بتحقيق نظام دولي يعكس مصالح جميع الدول، خاصة الدول النامية، ويضمن حقوقها في التنمية والازدهار. ويُعد هذا التعاون نموذجًا لتعزيز العدالة والاستقرار في الساحة الدولية، ويعكس الرغبة المشتركة في بناء مستقبل أكثر إشراقًا للجميع، كما يعد منتدى التعاون الصيني العربي منصة مهمة لإجراء حوار متكافئ وتعزيز التعاون العملي بين الجانبين، ويلعب دورًا مهمًا في تعزيز المزيد من التوافق. ويتيح هذا المنتدى للدول العربية والصين فرصة فريدة لتبادل الآراء والخبرات في مختلف المجالات.
ومن خلال منتدى التعاون الصيني العربي، يتم تعزيز الفهم المتبادل وتطوير العلاقات الثنائية ومتعددة الأطراف، مما يسهم في تحقيق التنمية المستدامة والازدهار المشترك.
يُعتبر هذا المنتدى أداة فعالة لتعزيز التنسيق في القضايا الدولية والإقليمية ذات الاهتمام المشترك، مما يعزز من قدرة الجانبين على مواجهة التحديات العالمية معًا.
وبين  الرئيس شي جين بينغ في رسالته الى القمة العربية المنعقدة في 17 ايار 2024 الى ان الاجتماع الوزاري العاشر لمنتدى التعاون الصيني العربي الذي يعقد في بكين، «عن أمله بأن يغتنم الجانبان هذا الاجتماع كفرصة لتعميق التعاون في مختلف المجالات وتحقيق منفعة أفضل للشعب الصيني والشعوب العربية، كما اكد على اهمية هذه الاجتماعات التي تعد فرصة مهمة لتعزيز العلاقات الثنائية، وتوسيع مجالات التعاون المشترك، ومناقشة القضايا ذات الاهتمام المشترك».  ويهدف الاجتماع الوزاري إلى تعزيز التنسيق السياسي بين الصين والدول العربية، والعمل معًا لمواجهة التحديات الإقليمية والدولية، بما في ذلك تعزيز السلام والاستقرار في المنطقة.
مستقبل التعاون الصيني العربي
ان مستقبل التعاون بين الجانبين يبدو واعدًا ومبشرًا بفرص كبيرة لتعميق العلاقات وتعزيز الشراكة الاستراتيجية بين الجانبين، هناك عدة مجالات رئيسية يمكن أن تشهد تطورًا ملحوظًا في التعاون الصيني العربي.
1. استمرار العلاقات التجارية والاقتصادية في النمو، مع التركيز على زيادة حجم التبادل التجاري، وتوسيع نطاق الاستثمارات المشتركة، وتطوير البنية التحتية، ويمكن لمبادرة الحزام والطريق أن تلعب دورًا محوريًا في هذا السياق.
2. يعد قطاع الطاقة مجالًا رئيسيًا للتعاون، حيث يمكن للدول العربية المصدرة للنفط والغاز أن تستفيد من الاستثمارات الصينية في هذا القطاع، بينما تحصل الصين على إمدادات طاقة مستقرة وموثوقة.
3. كما يمكن للجانبين تعزيز التعاون في مجالات التكنولوجيا والابتكار، بما في ذلك تكنولوجيا المعلومات والاتصالات، والذكاء الاصطناعي، والطاقة المتجددة، يمكن تبادل الخبرات والتكنولوجيا الحديثة لتعزيز التنمية المستدامة.
4. ويعتبر التبادل الثقافي والتعليمي جزءًا أساسيًا من تعزيز العلاقات بين الشعوب. يمكن للجامعات والمؤسسات التعليمية أن تلعب دورًا كبيرًا في هذا السياق من خلال برامج التبادل الأكاديمي، وتعلم اللغات، والتعاون البحثي.
5. ومن المؤكد استمرار التعاون السياسي والدبلوماسي في النمو، مع تعزيز التنسيق في القضايا الدولية والإقليمية. يمكن للجانبين العمل معًا لتعزيز السلام والاستقرار في الشرق الأوسط وفي الساحة الدولية.       
6. التعاون العربي مع مبادرة الحزام والطريق (Belt and Road Initiative) التي أطلقتها الصين يعتبر أحد جوانب التعاون الاقتصادي والتنموي بين الدول العربية والصين. تهدف هذه المبادرة إلى تعزيز الروابط التجارية والبنية التحتية بين آسيا وأفريقيا وأوروبا، من خلال الاستثمار في مشروعات النقل والطاقة والموانئ والاتصالات.
واخيرا، إن مستقبل التعاون الصيني العربي يحمل الكثير من الإمكانيات والفرص لتعزيز الشراكة وتحقيق التنمية المستدامة والازدهار المشترك لكلا الجانبين.