اوروبا الشرقية تشهد نهضة كروية من موسكو إلى بوخارست

اوروبا الشرقية تشهد نهضة كروية من موسكو إلى بوخارست
اوروبا الشرقية تشهد نهضة كروية من موسكو إلى بوخارست

   بيروت - دأب النظام الشيوعي في اوروبا الشرقية في النصف الاول من القرن الماضي على انشاء نواد لكرة القدم بهدف تأمين افضل دعاية ممكنة لنشر النظام المذكور انطلاقا من دول البلقان.

اضافة اعلان

واضطلعت كل من يوغسلافيا والاتحاد السوفييتي ورومانيا بهذا الدور، فأبصر نادي ستيوا بوخارست الروماني او نجوم الجيش النور عام 1946 على ايدي اتباع الديكتاتور نيكولاي تشاوشيسكو، ليصبح اشهر ناد انشىء لاسباب سياسية محضة، واشار لاعبون عايشوا حقبة حكم تشاوشيسكو الى ان الاخير كان يهتم بانتقاء اللاعبين وتدبير نتائج المباريات بما يتناسب ومصالح فريقه، في سبيل اعلاء شأن الحزب الذي ينتمي اليه.

وهذه الظاهرة التي درجت في تلك الفترة في بلدان مجاورة اخرى، افرزت نواد لم تعد غالبيتها موجودة على الخارطة الكروية او استبدلت اسماءها مع ولادة فجر سياسي جديد، على غرار ما حصل اثر انفراط عقدي يوغسلافيا (صربيا مونتينيغرو حاليا) والاتحاد السوفييتي (روسيا حاليا).

   وفي خضم التغييرات المختلفة بقي ستيوا بوخارست وفيا لمبادئه الكروية دون سواها حتى اصبح اول ناد من القسم الشرقي للقارة العجوز يحرز كأس النوادي الاوروبية البطلة عام 1986، قبل ان يخسر نهائي اخر عام 1989 امام ميلان الايطالي.

وشهد عام 1986 احراز دينامو كييف الاوكراني كأس الكؤوس الاوروبية للمرة الثانية في تاريخه بعد عام 1975، لينطلق قطار الفرق الشرقية نحو القمة التي وصل اليها النجم الاحمر بلغراد اليوغسلافي بفوزه على مرسيليا الفرنسي في نهائي كأس النوادي الاوروبية البطلة عام 1991.

   وسيطرت برودة كروية على اكثر بلدان اوروبا صقيعا في الفترة اللاحقة، لم تكسرها سوى النار التي اشعلها البروفسور الراحل فاليري لوبانوفسكي بقيادته خريجي مدرسة دينامو كييف الى الدور نصف النهائي لدوري الابطال الاوروبي موسم 1998-1999.

الا ان الشعلة سرعان ما انطفأت في ظل الاغراءات التي لم يستطع مقاومتها نجوم فرق اوروبا الشرقية، الذين عبروا بتألق الى اقوى البطولات الاوروبية الوطنية في اسبانيا وانجلترا وايطاليا والمانيا وفرنسا، مما قلص حظوظ نواديهم الام في تحقيق انجازات لافتة على الساحة القارية.

وعادت روح الانتصارات الى الطرف الشرقي لاوروبا مع سيسكا موسكو الروسي حامل لقب كأس الاتحاد الاوروبي الموسم الماضي، الذي تخطى بانجازه حدود بلاد القياصرة ليصبح اول ناد سوفييتي سابق يرفع كأسا قارية منذ انهيار تكتل الاتحاد السوفييتي.

ويبدو ان انجاز النادي الروسي فتح الباب من جديد امام فرق البلدان المجاورة لاجتياح ميادين اقرانهم الاوروبيين واستعادة امجادهم الكروية عبر مسرح كأس الاتحاد الاوروبي، الذي وصل الى مرحلة الدور ربع النهائي في وجود اربعة ضيوف من اوروبا الشرقية.

الا ان المسألة ابعد من بلوغ كل من ستيوا ورابيد بوخارست الرومانيين وليفسكي صوفيا البلغاري وزينيت سان بطرسبرغ الروسي مرحلة متقدمة من المسابقة القارية، اذ ان هذه الخطوة الفريدة لم تكن الا نتيجة لاستراتيجية مدروسة وضعت في الاعوام القريبة الماضية لاعادة احياء كرة القدم في المنطقة المذكورة.

   وتأججت "الجبهة الشرقية" عبر بزوغ نجمي ستيوا ورابيد اكثر النوادي شعبية في رومانيا اللذين اكدا ان الكرة الرومانية ما زالت في صحة تامة على الرغم من فشل المنتخب الوطني في التصفيات المؤهلة الى مونديالي 2002 و2006 وبطولة الامم الاوروبية 2004.

وفي موازاة اتجاه الانظار نحو العاصمة بوخارست التي شهدت تعادلا مثيرا (1-1) بين قطبيها ذهابا، قدم ليفسكي صوفيا افضل اداء لفريق بلغاري منذ اعوام عدة، وذلك رغم سقوطه على ارضه (1-3) امام شالكه 04 الالماني، في الوقت الذي تقلصت حظوظ زينيت في ابقاء الكأس روسية بخسارته امام اشبيلية الاسباني (1-4).

وايا تكن نتيجة الاياب بين ستيوا ورابيد، ستضمن رومانيا التي لم يبلغ احد نواديها الدور ربع النهائي لمسابقة اوروبية منذ 17 عاما، ممثلا لها في دور الاربعة، عبر حسمها "الحرب الباردة" التي اعلنتها منذ زمن بعيد النوادي الاجنبية الساعية الى استقطاب ابرز الاسلحة المتمثلة بنجوم الكرة الرومانية.

وتغيرت المعادلة في رومانيا مع وصول جيل جديد من مالكي النوادي، الذين ارادوا الاحتفاظ بلاعبيهم المميزين عوضا عن تصديرهم كما درجت العادة، مقابل ترحيب هؤلاء بحصولهم على امتيازات غير مسبوقة تعطيهم دافعا لتحقيق طموحاتهم ضمن الفريق الذي اطلقهم.

ويضاف الى هذا الامر سعي بعض الرؤساء الى استقدام المدربين الاجانب الذين يغذون العقلية الكروية الرومانية بثقافاتهم المغايرة، فجاء تعاقد رئيس ستيوا جيجي بيكالي مع الحارس الايطالي السابق والتر زينغا والاوكراني الخبير اوليغ بروتاسوف، كما سعى القيمون الى الاستعانة بالخبرات التدريبية لبعض الرموز الذين طبعوا الكرة الرومانية ببصماتهم الخاصة، امثال جورجي هاجي ودورينيل مونتيانو اللذين يشكلان الهاما استثنائيا للاعبين الصاعدين.

   من جهتها، لعبت الحكومة الرومانية والسلطات العليا دورا حاسما في اعادة الهيبة الى اللعبة عبر تأمين الاموال اللازمة لتحديث البنى التحتية وتطوير قطاع الناشئين بدعوة من الرئيس ترايان باشيسكو، الذي يدرك تماما ان هذه الخطوات وتقديم مباريات نظيفة خالية من احداث الشغب والعنصرية سترفع من حظوظ بلاده في سعيها للانضمام الى الاتحاد الاوروبي.

ومما لا شك فيه ان استثمارات اقطاعيي النفط كانت حاضرة بقوة في المسيرة الناجحة لزينيت على غرار سيسكا، الذي تسلح الموسم الماضي بدعم مالك نادي تشلسي الانجليزي الميلياردير الروسي رومان ابراموفيتش.

واذا كانت جميع الوسائل حاضرة لابعاد العقبات من طريق ستيوا ورابيد وزينيت، فإنه يصح اعتبار ليفسكي مفاجأة المسابقة ببلوغه هذه المرحلة المتقدمة، باعتراف مدربه ديميتار ديميتروف الذي توقع في الادوار الاولى النجاح للفرق الروسية والرومانية مستثنيا فريقه بالتحديد، في الوقت الذي بدأ فيه الكشافون عملية اجتذاب المواهب الشابة التي يعج بها الفريق.

   ويبقى ان الجهود ستتضاعف في اروقة النوادي والاتحادات الوطنية في اوروبا الشرقية الطامحة الى استعادة مكانتها بين النخبة لتعود الى الكرة الاوروبية العداوة الكروية المستحبة، التي ارخت بظلالها على المنافسات الاقليمية والعالمية طوال القرن الماضي مع نجوم لا مثيل لهم كالحارس السوفييتي ليف ياشين والمجري فيرينك بوشكاش والبولنديين لاتو وزبيغنيو بونييك والبلغاري خريستو ستويشكوف والتشيكي بافيل ندفيد.