السيادة السيبرانية: الآثار القانونية والاقتصادية في الدول الرئيسية (2 - 2)

د. حمزه العكاليك
د. حمزه العكاليك
د. حمزة العكاليك

عمان- في عالم اليوم شديد الترابط، يعد الفضاء الإلكتروني بمثابة شريان الحياة للأعمال التجارية والنشاط الاقتصادي العالمي. فبينما تسعى الدول إلى زيادة السيطرة على فضائها الرقمي، تبرز السيادة السيبرانية كقضية حساسة ولكنها معقدة ولها آثار واسعة النطاق على الشركات والاقتصادات. ومن ثم، فإن السعي لتحقيق السيادة السيبرانية وتأثيرها على التدفق الحر للمعلومات يمثل مشهدا قانونيا معقدا ومتطورا في جميع أنحاء العالم. ولكل دولة في هذه الديناميكية نهج فريد، مما يؤدي إلى ظهور أطر قانونية وتحديات متنوعة تؤثر على إمكانية الوصول إلى المعلومات وتوافرها. إن فهم الأطر القانونية المختلفة، والتحديات التقنية المتطورة، والفروق الدقيقة المحددة للسيادة السيبرانية داخل هذه البلدان، يقدم رؤى قيمة حول تعقيدات هذه القضية المتعددة الأوجه.اضافة اعلان
تحدد اللائحة العامة لحماية البيانات في الاتحاد الأوروبي (GDPR) معايير عالية لحماية البيانات والخصوصية، مما يؤثر على الشركات العالمية. وفي وقت تهدف لوئح أمن الشبكات وأنظمة المعلومات NIS  إلى تعزيز مرونة البنية التحتية الحيوية، ينشئ قانون الأمن السيبراني وكالة للأمن السيبراني لعموم الاتحاد الأوروبي. ويعزز القانون العام لحماية البيانات الثقة والشفافية في الاقتصادات القائمة على البيانات، مما يحتمل أن يجذب الاستثمار ويسهل الابتكار. فعلى سبيل المثال، فيما يتعلق بالامتثال للقانون العام لحماية البيانات (GDPR)، استثمرت شركة البرمجيات الألمانية SAP بكثافة في أدوات إدارة البيانات للامتثال، مما أدى في النهاية إلى تعزيز موقفها الأمني.
ومن ناحية أخرى، فإن تنفيذ نهج منسق عبر 27 دولة عضوا ذات أولويات متنوعة يظل أمرا معقدا. كما أن التكيف مع اللوائح المتطورة وضمان الامتثال لتوطين البيانات يتطلب استثمارات تشغيلية ومالية كبيرة للشركات. وبالتالي، في تجزئة السوق قد تؤدي التطبيقات الوطنية المتنوعة للوائح الاتحاد الأوروبي إلى إنشاء سوق رقمية مجزأة، مما يشكل تحديات أمام العمليات عبر الحدود. ولذلك، فإن ضمان التماسك التنظيمي الذي يعزز تنسيق التطبيقات الوطنية داخل الاتحاد الأوروبي أمر بالغ الأهمية لتجنب تجزئة السوق وتسهيل الأنشطة التجارية عبر الحدود.
وعلى المنوال نفسه، يركز قانون حماية المعلومات الشخصية والوثائق الإلكترونية الكندي (PIPEDA) على خصوصية البيانات، في حين يمنح قانون الأمن السيبراني صلاحيات واسعة للتحقيق في التهديدات السيبرانية وتعطيلها. إن تحقيق التوازن بين أولويات الأمن القومي وحماية الحقوق الفردية هو نقاش مستمر. وبالتالي، فإن ممارسات خصوصية البيانات القوية تعمل على تعزيز سمعة العلامة التجارية وثقة المستهلك، مما قد يعزز القدرة التنافسية في السوق. كما تعمل تدابير الأمن السيبراني القوية على حماية أصول الأعمال والبنية التحتية الحيوية، مما يقلل من الاضطرابات الاقتصادية والإضرار بالسمعة. فعلى سبيل المثال، تقوم شركة الاتصالات الكندية العملاقة Telus بإخفاء هوية بيانات العملاء قبل مشاركتها مع شركاء التحليل، مما يدل على الالتزام بالخصوصية. ومع ذلك، فإن الافتقار إلى الوضوح والتنسيق بين لوائح خصوصية البيانات بين المستويين الفيدرالي والإقليمي يمكن أن يخلق حالة من عدم اليقين بالنسبة للشركات. علاوة على ذلك، فإن إيجاد التوازن الصحيح بين حماية البيانات وتمكين الممارسات التجارية الفعالة المعتمدة على البيانات ما يزال محل نقاش مستمرا. علاوة على ذلك، تعتمد كندا بشكل كبير على البنية التحتية للإنترنت في الولايات المتحدة، مما يثير المخاوف بشأن سيادة البيانات. ويسبب هذا الاعتماد تحديات تقنية أخرى، حيث يشكل تطوير قدرات الدفاع السيبراني القوية والتعاون مع نظرائهم الأميركيين للاستجابة للحوادث والوصول إلى البيانات تحديات مستمرة.
أما الإطار القانوني في الولايات المتحدة، فتتناول مجموعة القوانين الفيدرالية وقوانين الولايات الأمن السيبراني وخصوصية البيانات، بما في ذلك قانون CLOUD الذي يمنح الوصول إلى البيانات المخزنة في الخارج. على الرغم من ذلك، فإن تحقيق التوازن بين أولويات الأمن القومي وحماية الحقوق الفردية يعد نقاشا متواصلا، لكن افتقار الولايات المتحدة إلى قانون فيدرالي شامل لخصوصية البيانات يخلق حالة من عدم اليقين التنظيمي للشركات. علاوة على ذلك، تعد معالجة نقاط الضعف في البنية التحتية الحيوية، والاستثمار في قدرات الدفاع السيبراني، ومكافحة التطور المتزايد للهجمات السيبرانية من الأولويات المستمرة، فعلى سبيل المثال، يضع قانون خصوصية المستهلك في كاليفورنيا (CCPA) معايير أكثر صرامة لخصوصية البيانات، مما يتطلب تعديلات من شركات مثل أوبر.
وبالمثل، يمنح قانون الأمن السيبراني في سنغافورة صلاحيات واسعة للتحقيق في التهديدات السيبرانية وتعطيلها، بالمقابل، ينظم قانون حماية البيانات الشخصية جمع البيانات واستخدامها. ومن ثم، فإن الموازنة بين النهج الاستباقي للحكومة تجاه الأمن السيبراني والمخاوف بشأن الخصوصية الفردية وحرية التعبير مستمرة. ولذلك، دخلت سنغافورة في شراكة مع شركات عالمية مثل IBM لتطوير برامج التدريب على الأمن السيبراني. وبناء على ذلك، فإن الحماية القوية للبيانات تعزز الثقة وتجذب شركات التكنولوجيا المالية مثل بنك DBS إلى سنغافورة. علاوة على ذلك، فإن تركيز سنغافورة على الأمن السيبراني يجذب شركات مثل سيسكو لإنشاء مراكز للبحث والتطوير. ومن ناحية أخرى، فإن تحقيق التوازن بين متطلبات توطين البيانات والانفتاح على المواهب العالمية يشكل تحديات أمام الشركات.
وفي حين يمتلك الأردن استراتيجية وطنية لتكنولوجيا المعلومات والاتصالات تركز على تطوير قطاع الأمن السيبراني، كما تم تشريع قانون موحد للأمن السيبراني، ولكن ما يزال الوضع قيد التطوير والتحديث. بالإضافة إلى ذلك، استثمرت الدولة في تحسين البنية التحتية للإنترنت وأنشأت مركزا وطنيا للأمن السيبراني (NCSC) مسؤولا عن الاستجابة للحوادث وتخفيف التهديدات. ومع ذلك، ما تزال هناك نقاط ضعف وفجوات في المهارات. وعليه، يشارك الأردن بنشاط في المبادرات الإقليمية والدولية المتعلقة بالأمن السيبراني وحماية البيانات، وتعزيز التعاون وتبادل المعلومات.
ولذلك، فإن بيئة الأمن السيبراني القوية تعزز الثقة بين الشركات والمستهلكين، وتجذب الاستثمار الأجنبي وتعزز نمو التجارة الإلكترونية. كما أن البنية التحتية الرقمية الآمنة واللوائح التنظيمية الواضحة تمهد الطريق للابتكار في قطاعات، مثل التكنولوجيا المالية والذكاء الاصطناعي والحوسبة السحابية، مما يدفع عجلة التنويع الاقتصادي. علاوة على ذلك، فإن الاستثمار في مهارات الأمن السيبراني يمكّن الأردنيين من المشاركة في الاقتصاد الرقمي المتنامي ويخلق مجموعة من المهنيين المؤهلين للشركات. فعلى سبيل المثال، توفر مبادرات مثل "Oasis500" الدعم والبنية التحتية للشركات الناشئة في مجال التكنولوجيا، مما يشجع ريادة الأعمال والابتكار الرقمي. ولذلك، يعد تحسين مهارات القوى العاملة بخبرة الأمن السيبراني أمرا ضروريا للحفاظ على النمو والقدرة التنافسية في العصر الرقمي.
وفي الختام، فإن تحقيق التوازن بين حماية الأمن القومي ودعم الحريات الفردية أمر ضروري. ولذلك، بينما تسعى البلدان في جميع أنحاء العالم إلى تحقيق السيادة السيبرانية، فإن الأطر القانونية والأولويات التي تشكل هذا المسعى لها آثار كبيرة على المشهد التجاري والاقتصادي العالمي. وبالتالي، فإن سعي الأردن إلى السيادة السيبرانية يحمل إمكانات هائلة للتنمية التجارية والاقتصادية. بالإضافة إلى ذلك، يتطلب تحقيق ذلك تحقيق التوازن بين الأمن القومي والحقوق الفردية، والاستثمار في البنية التحتية للأمن السيبراني، والمواهب، وإنشاء إطار قانوني واضح.