السياسة النقدية: معضلة محافظي البنوك المركزية

ترجمة: ينال أبو زينة

بدأت البنوك المركزية تتحمل الوطأة العظمى لدعم الاقتصاد العالمي في العام 2009 ؛العام الذي شهد آخر محاولات الحكومات المنسقة للانخراط في الملفات المالية.
ومعها تجل انخفاض أسعار الفائدة؛ إلى جانب التيسير الكمي والتوجيه الشفهي (ما يسمى بالـ"فورورد جايدانس") والآن المعدلات السلبية أيضاً.
ولكن حياة محافظ البنك المركزي أصبحت أصعب في الوقت الراهن من أي وقت مضى، لا سيما وأن العلاقات الاقتصادية الجيدة التي سادت قبل أزمة العام 2008 الاقتصادية ربما لا تستمر على نفس السجية.
لنأخذ العلاقة بين البطالة والتضخم، التي تشتهر بارتباطها بمنحنى فيليبس، على سبيل المثال ؛حيث ينبغي أن تبدأ معدلات التضخم بالارتفاع في ظل انخفاض معدلات البطالة وذلك في الوقت الذي ترتفع فيه تبعاً للأمر المنافسة على الوظائف والأجور.
لقد كانت هذه العلاقة أساس إدخال "التوجيه الشفهي" بواقع الحال وفي شهر آب (أغسطس) العام 2013، قال محافظ بنك إنجلترا، مارك كارني، أن إنخفاض معدلات البطالة إلى ما دون الـ7 % شرط ضروري (إنما غير كافٍ وحده) لسياسة أكثر تشدداً.
وانخفضت معدلات البطالة في بريطانيا إلى 5.1 %، لكن التضخم لم يتعد الـ0,3%، ولم تكن هناك من حاجة لتشديد السياسة.
وأدخل الإحتياطي الفدرالي، من جهته، التوجيه الشفهي بطريقة بن بيرنانكي في كانون الأول (ديسمبر) 2012.
وتصورت هذه الخطوة البطالة الأميركية عند 6.5 % كنقطة إنطلاق ممكنة؛ وفي الواقع، لم يحدث أول التحركات التصاعدية في المعدلات حتى كانون الأول (ديسمبر) العام 2015، عندما هبطت معدلات البطالة إلى 5%.
إذا ما الذي يحدث هنا؟ إن المفهوم الاقتصادي الكامن خلف نهج البنكين المركزيين المذكورين، هو نفسه نهج الـ"نايرو": معدل التضخم غير المتسارع للبطالة.
ولكن يبدو من الواضح أن "النايرو" ليس رقماً ثابتاً، فهو يختلف من دورة لدورة.
ويعتمد كل شيء على المتسع المتاح في سوق العمل. ولكن، قد لا يكون معدل البطالة -الذي يأخذ ضمن قياساته هؤلاء الذين يحق لهم المطالبة بالفوائد- أفضل القياسات الممكنة، بل معدل مشاركة القوة العاملة –الذي يحتسب نسبة من هم في سن تخولهم للعمل ويزاولون مهنهم وهو المعدل الذي إنهار في الولايات المتحدة الأميركية من أعلى مستوى له في العام 2000 (67 %)، إلى 62,9 % اليوم.
وما تجدر الإشارة إليه هنا هو أن المرء يتوقع أن يرتفع معدل مشاركة القوة العاملة مع انخفاض معدل البطالة؛ ولكن المعدلين استمرا في الانخفاض ترادفيا حتى يومنا هذا.
هل كان بعض العاطلين عن العمل لينضموا إلى سوق العمل لو أن الأجور كانت أعلى؟ من الصعب أن نعرف ذلك؛ ربما يكون البعض قد واصلوا بلا عمل لبعض الوقت، وبالتالي قد يجدون صعوبة في الحصول على وظيفة، وربما يكون آخرون قد تقاعدوا في وقت مبكر أيضاً.
ليس هناك من مستوى "صائب معروف" لتحديد مشاركة القوة العاملة، فقد كان المستوى دون الـ60 % في معظم خمسينيات وستينيات القرن الماضي قبل أن تشارك المزيد من النساء في القوة العاملة.
إذا هل هناك من تدابير بديلة يمكننا أن نستعيض بها عن صعوبة تحديد فترات الركود في سوق العمل؟ في الحقيقة، يستعين الاقتصاديون الآن بفكرة "فجوة الناتج"، وهي الفرق بين الناتج الفعلي للاقتصاد والناتج المحتمل.
ولتحديد ذلك، يعمد الاقتصاديون إلى رصد وتحليل توجه نمو الإنتاجية.
ويبدو توجه نمو الإنتاجية في معظم الدول النامية وأنه ما يزال يواصل في انخفاضه منذ العام 2008.
وعلى غرار الأمر، نقح مكتب مسؤولية الميزانية في بريطانيا مؤخراً افتراضاته وتوقعاته لمعدل النمو مخفضاً إياها في ضوء ضعف الإنتاجية.
وفي سياق متصل، قد يكون أهم تغيير صنعناه في توقعاتنا، منذ تشرين الثاني (نوفمبر)، يكمن في إعادة تنقيح تنبؤاتنا حول نمو الإنتاجية المحتمل (مقدار الناتج الذي يمكن أن ينتجه الاقتصاد بشكل دائم لكل ساعة عمل، والمحرك الرئيسي لحجمه المحتمل).
لقد بينت البيانات المتاحة، في شهر تشرين الثاني (نوفمبر)، أن هناك ارتفاعاً ملحوظاً في نمو الإنتاجية حدث تقريباً في منتصف العام الماضي 2015، ما يتماشى مع افتراضنا بأن انحسار الأزمة المالية سيضع ضغوطاً أقل، وأن نمو الإنتاجية سيعود إلى معدل متوسط ما قبل الازمة العالمية في نهاية المطاف.
ولكن، تقترح البيانات التي لحقت بالمذكورة أن هذا فجرٌ كاذبٌ آخر فمع استمرار فترة ضعف نمو الإنتاجية (ما بعد الأزمة الاقتصادية) في استطالتها، أصبحنا نضع ثقلاً أكبر على ذلك كدليل لآفاق المستقبل –رغم أن هذا الحكم ما يزال غير مؤكد.
وقد حدا بنا هذا بدوره إلى إعادة النظر في توقعات نمو ناتجنا المحلي الإجمالي بنسبة 0,3% في العام، لنضعها عند متوسط 2,1% في العام خلال ما تبقى من العقد.
لماذا قد يُمسي نمو الإنتاجية أضعف؟ إنها مسألة جدلية كبيرة في الوقت الراهن، لاسيما مع نشر روبرت غوردون لكتابه بعنوان: "صعود وسقوط النمو الأميركي".
ويعرض السيد غوردن في هذا الكتاب، بتفصيل مثير للإعجاب، التغيرات التحولية في أميركا (في الفترة ما بين العام 1870 و1970) التي جلبت معها تحسينات واسعة على متوسط العمر المتوقع ونوعية الحياة؛ بحيث أصبح الناس يملكون ماءً نظيفاً في منازلهم، على سبيل المثال، وغير ذلك من تخفيض للإصابة بالأمراض والعمل الشاق في غسل الملابس.
وقد كانت التحولات في الاقتصاد، منذ العام 1970، جديرة بالملاحظة في جميع القطاعات التي حدثت فيها، بما فيها قطاعات تكنولوجيا المعلومات والاتصالات ولكنها لم تنتشر على غرار التطورات والتحسينات التي حدث قبل ذلك.
وفي المقابل، لم يكن هناك من تحسينات في السرعة الحقيقية لوسائل النقل البري (الإزدحام) أو النقل الجوي (التدقيق الأمني) في السنوات الأربعين الأخيرة.
وقد كانت المعدات المنزلية الرئيسية الضرورية، مثل الثلاجات والغسالات والتدفئة، جميعها منتشرة على نطاق واسع قبل العام 1970.
ومن الواضح جداً أن إجراء التحسينات والتطويرات في قطاع تكنولوجيا المعلومات يمكن أن يحسن الإنتاجية بالمقابل؛ لقد رأينا ذلك يحدث في مجالات التوزيع والبيع بالتجزئة.
إذاً، لماذا لم يحدث ذلك في السنوات الأخيرة؟ تكمن إحدى الإجابات على هذا السؤال في أن نمو الأجور كان بطيئاً جداً؛ فقد أصبح توظيف العاملين أبخس تكلفة من الاستثمار في تكنولوجيا جديدة.
وقد تتمثل إجابة أخرى في أن الخدمة أصبحت هي من تهيمن على الاقتصادات الحديثة، أكثر من التصنيع، وتحسين إنتاجية الخدمات أصعب ببساطة من تحسين إنتاجية التصنيع؛ حلاقة 10 دقائق ليست أفضل (وربما أسوأ) من حلاقة تستمر مدة ساعة مثلاً.
وربما يكون الإنترنت، بملهياته من رسائل البريد الإلكتروني إلى تغريدات "التويتر" ومقاطع الفيديو للقطط، قد خفض الإنتاجية حقيقةً لدى العاملين في المكاتب.
وبدلاً من ذلك، قد نكون ببساطة شديدي السوء في قياس التحسينات التي طرأت على إنتاجية قطاع الخدمات، وربما تُرينا المراجعات القادمة ناتجاً إجمالياً محلياً أفضل (وتضخماً أخفض) مما كنا نتوقع.
ويمكن أن تكون هذه هي الحال في المستقبل، رغم أن الأمر يحتاج مراجعةً ضخمة ومفصلة لتفسير تباطؤ الإنتاجية.
وفي الوقت نفسه، ليست البنوك المركزية تملك إجابات لكل هذه الأسئلة ؛ما هي السرعة التي سينمو بها الاقتصاد؛ ومتى سيتسبب انخفاض البطالة بضغوطات تضخمية؟ لا عجب في أن مثل هذه الأمور تسير أحياناً على غير هدى.

"الإيكونوميست"

اضافة اعلان

[email protected]