العالم والأزمة الأوروبية

بقلم: ابراهيم شكري دبدوب*

يبدو أن قادة العالم لا يرغبون في قبول الحقيقة، وهي ان العاصفة الهوجاء التي تضرب أوروبا هي الأخطر منذ سقوط بنك ليمان براذرز، وستقود العالم الى أسوأ مما كان عليه الوضع في العام 2009، وستبقى آثارها معنا لزمن طويل.اضافة اعلان
ما يزال اصحاب القرار يتعاملون مع الأزمة الأوروبية وكأنها محصورة في اليونان، ولن تبتلع أوروبا بأكملها.
صحيح ان الاقتصاد اليوناني صغير نسبيا ومديونيته لا تتعدى 370 مليار يورو ويمكن لصندوق الانقاذ الأوروبي احتواءها، لكن ماذا عن ايطاليا؟ من ينقذها؟
فالمديونية الايطالية لوحدها تقارب 2 تريليون يورو. وبالطبع، اذا ما انهارت ايطاليا، فلن تصمد اسبانيا طويلا، وسيلف القلق فرنسا التي تتبنى اصلا برنامجا تقشفيا في محاولة للاحتفاظ بتصنيفاتها الائتمانية.
كما ان قادة العالم ينظرون إلى الازمة وكأنها ناجمة عن سوء إدارة مالية.
على الرغم من صحة ذلك، الا ان جذور الأزمة لا تقف عند حكومة دول ما، بل انها تطال الأسس التي قام عليها الاتحاد الأوروبي.
فالمديونية المتزايدة هي نتاج لعلة أكثر عمقا، الا وهي تنافسية أوروبا المتدهورة، ان كانت بين الدول الأوروبية نفسها، أو حتى بين أوروبا والعالم، وهو الاهم.
ان تدهور التنافسية الذي تعاني منه أوروبا هو انعكاس مباشر لعدم قدرة الأوروبيين على خفض قيمة عملتهم، وبالتالي مجاراة النمو في الانتاجية الالمانية.
لكن الأسوأ انه لا يمكن لأوروبا حل هذه المعضلة الا بثمن باهظ جدا يتمثل بانخفاض الرواتب والطلب في المدى الطويل، وهو ما سيتطلب بدوره المزيد من التقشف المالي.
 وهذا يقودنا الى الاستنتاج بأن الأزمة الأوروبية ستطول لسنوات عديدة.
من جهة ثانية، هناك اعتقاد بأن أوروبا غنية وباستطاعتها حل أزمتها لوحدها.
وهذا اعتقاد خاطئ لسببين: اولا، وبخلاف ما يظن القادة الأوروبيون -أو بالأحرى ما يشتهون- فإن أوروبا الموحدة لا وجود لها الا في خيال قادتها؛ اذ رغم الوحدة النقدية القائمة بين 17 دولة أوروبية، فإن الاتحاد الأوروبي اشبه بتجمع لدول مستقلة، بل حمائية جدا تجاه استقلاليتها.
وحتى لو “اتحدت” هذه الدول على نسق الولايات المتحدة الأميركية، فلن يرضى دافعو الضرائب في أية دولة ان تذهب أموالهم لتمويل رفاهية شعب آخر، أو حتى تمويل عجزه. وثانيا، مهما كانت الدول القوية ماليا بمنأى عن اي مشكلة في مديونيتها، فإنها تبقى عاجزة عن انقاذ اوروبا بأكملها. وحتى لو اضفنا فرنسا الى هذه الدول، فان اجمالي مديونية الاتحاد الأوروبي يشكل ما نسبته 56 % من الناتج المحلي الاجمالي لتلك الدول.
الخطيئة الاخرى التي يرتكبها القادة هي الاعتقاد بأن البنك المركزي الأوروبي باستطاعته حل الأزمة خلال يوم واحد. فإذا كان هذا صحيحاً، ما الذي ينتظره إذاً؟ في الواقع، ان كافة ما يقوم به البنك المركزي الأوروبي من شراء لسندات وضخ سيولة في البنوك الأوروبية، لن يحل أزمة أوروبا اطلاقاً، بل انه على الاغلب قد منع من وقوع الكارثة حتى الآن.
وفيما يعتقد البعض بأن قيام البنك المركزي الأوروبي بضمان كافة اصدارات السندات الأوروبية من شأنه أن يحل الأزمة الأوروبية، فإن ذلك، في رأيي، سينسف الاتحاد برمته.
فهذا الاقتراح لا يتجاهل الاختلالات في التنافسية والنمو فقط، بل انه ايضاً سيقضي على ما تبقى من دعم تقدمه الدول الغنية للوحدة النقدية، لأنها تدرك أن أي ثمن سيترتب على هكذا الخيار سيكون على حساب شعوبها.
اما الخطيئة الكبرى، فهي الظن بأن الولايات المتحدة الأميركية بمعزل عن أزمة أوروبا. لا شك ان هذه أمنية لدى البعض، لا سيما هؤلاء الذين ينظرون إلى ارتباط الولايات المتحدة الأميركية بأوروبا من خلال العلاقات المباشرة بسوق الدين الأوروبي.
جراء الأزمة المالية في الولايات المتحدة قبل اقل من ثلاث سنوات، لا ناقة لهم ولا جمل بهذه الأزمة؟ كيف اذا ستنأى الولايات المتحدة الأميركية، من حكومة ومصارف ومستثمرين وحتى عامة الشعب، من تداعيات انهيار أكبر اقتصاد واضخم قطاع مصرفي في العالم؟
في النتيجة، كلما قلت الخيارات، ازدادت التمنيات. وهذا ما يمر به قادة العالم. ربما هم يسلمون بهذه الاعتبارات الخاطئة في رهان منهم على حصر القلق المتزايد في الأسواق، علّ ثقة المستثمرين تنقذهم من محنتهم، لكن بعيداً عن الامنيات، يبقى على الولايات المتحدة والصين ومجموعة العشرين والاسواق الناشئة ان تتحضر للأسوأ، لأن الأسوأ قادم لا محالة.

*عضو مجلس إدارة معهد التمويل الدولي ومجموعة بريتون وودز العالمية ومجموعة الثلاثين في واشنطن