القائمون على التنظيم المالي والفوضى الأنيقة

تعبيرية
تعبيرية

سيمون جونسون*
واشنطن- عندما يخالف أحد الرياضيين القواعد فمن السهل أن نعرف ما إذا كانت الهيئة الانضباطية التأديبية راغبة حقاً في منع تكرار مثل هذه المخالفة. فإيقاف اللاعب عن ممارسة الرياضة - كما يحدث في كرة القدم في حالة المخالفات الجسيمة - يشكل عقاباً حقيقيا، ليس فقط للفرد بل وأيضاً للفريق.اضافة اعلان
ولنتأمل هنا حالة مايكل كلارك، قائد فريق الكريكيت الأسترالي، الذي هدد مؤخراً بإلحاق أذى بدني بلاعب منافس. وبرغم الانزعاج العام الشديد، فقد قرر اتحاد الكريكيت في أستراليا (الهيئة الحاكمة) فرض غرامة صغيرة (صغيرة نسبة إلى راتب كلارك السنوي). وسواء كان هذا مناسباً أو لم يكن، فإن اتحاد الكريكيت الأسترالي كان واضحاً في أن مثل هذا السلوك لا يستحق سوى عقوبة رمزية.
وينبغي لنا أن ننظر إلى التسوية الأخيرة بمقدار 13 مليار دولار أميركي بين وزارة العدل الأميركية ومؤسسة جيه بي مورجان، أحد البنوك الدولية الأكبر على مستوى العالم، من نفس المنظور. فبالنسبة لغير المطلعين تبدو هذه الغرامة كبيرة (وهو ما يفسر كل العناوين الرئيسية الجاذبة للانتباه)، ومن المؤكد أنها جعلت الهيئات التنظيمية المالية في الولايات المتحدة تبدو مشغولة وجادة. ولكن كما كانت رسالة اتحاد الكريكيت الأسترالي، فإن الرسالة هنا واضحة: لن يطرأ أي تغيير على العمل المعتاد.
كان بنك جيه بي مورجان متهماً بممارسة مجموعة واسعة من الأنشطة غير المشروعة، بما في ذلك تحريف الحقائق المقدمة للمستثمرين عن الأوراق المالية وغير ذلك الكثير. وتشير منظمة "أسواق أفضل"، وهي مجموعة مؤيدة للإصلاح المالي، إلى أن ما نعرفه عن التسوية يوحي بأنها بلا معنى إلى حد كبير. وعلى حد تعبير دينيس كيليهر رئيس منظمة "أسواق أفضل":
"بدلاً من التعامل بصرامة مع جيه بي مورجان ومسؤوليه، قررت وزارة العدل إلغاء مؤتمر صحفي وأوقفت دعوى قضائية بسبب أهمية البنك، ورئيسه التنفيذي جيمي ديمون الذي يتمتع باتصالات سياسية قوية والذي اتصل شخصياً بالنائب العام وطلب منه أن يفعل ذلك".
والواقع أن الطريقة التي تمت بها التسوية لابد أن تكون صادمة لنا أيضا - حيث يتمتع ديمون بإمكانية التواصل المباشر مع النائب العام الأميركي إيريك هولدر، وهو المسؤول الأكبر في البلاد عن إنفاذ القانون. ويذكرنا كيليهر قائلا: "إن قِلة من الأميركيين قد يمتلكون القدرة لمجرد الاتصال بالنائب العام على الهاتف، ناهيك عن النفوذ اللازم لمنعه من إقامة الدعوى القضائية التي كانت لتكشف لعامة الناس تفاصيل السلوك غير القانوني المزعوم من قِبَل جيه بي مورجان".
ونتيجة لهذا فإننا لن نعرف بالضبط ماذا كان الادعاء في القضية ضد جيه بي مورجان، بما في ذلك الأدلة المتسخدمة. وسوف يهبط مستوى التدقيق العام والقلق.
ولكن يتعين على بنك جيه بي مورجان على الأقل أن يدفع ثمناً باهظاً في مقابل جعل المسألة برمتها تختفي، أليس كذلك؟ حسنا، كلا لم يحدث هذا. ذلك أن "غرامة" قيمتها 13 مليار دولار بالنسبة لشركة بحجم جيه بي مورجان لا تزيد إيلاماً عن الغرامة التي تكبدها كلارك - فهي ليست مؤلمة على الإطلاق. فكلارك يكسب نحو 6 مليون دولار (دولار أسترالي) سنويا؛ وفضلاً عن المكافأة السنوية، فهو يحصل على 14 ألف دولار عن كل مباراة تجريبية دولية، جنباً إلى جنب مع رسوم ومكافآت أخرى. وقد تم تغريمه نحو 20 % من أجره عن مبارة دولية (2800 دولار)، أو نحو 0.05 % من راتبه السنوي. وبالنسبة لأي شخص دخله السنوي 50 ألف دولار (وهو ما يقرب من دخل الأسرة المتوسطة في الولايات المتحدة) فإن هذه الغرامة تعادل 25 دولارا.
إن إجمالي موازنة جيه بي مورجان العامة يبلغ نحو 4 تريليون دولار، بقياسها باستخدام المعايير المحاسبية الدولية. وكما أبلغت الإدارة المساهمين بعد الإعلان عن التسوية، "فإن الشركة مستعدة بالشكل اللائق لكل هذه الإجراءات"، بمعنى أن الأمر لن يخلف تأثيراً مادياً على الأرباح. وعملياً يعني أن "الشركة لم تعترف بأي انتهاكات للقانون".
والواقع أنه في حين أن غرامة كلارك التافهة تخرج من جيبه الخاص على الأقل، فإن العقوبة المفروضة على جيه بي مورجان سوف تسدد إلى حد كبير بواسطة مساهميه. وبسبب عدم وجود سوق للسيطرة الشركاتية على البنوك العملاقة (لأن الحماية التي توفرها الهيئات التنظيمية تمنع عمليات الاستحواذ العدائية أو النشاط الفعّال من قِبَل المساهمين)، فإن الإحباط من قِبَل المستثمرين في جيه بي مورجان من غير الممكن أن يفضي إلى تغيير الإدارة.
ولكن مرة أخرى، ليس لدى المساهمين في جيه بي مورجان الكثير مما قد يدعوهم إلى القلق. فقد اقترحت ماريان ليك، كبيرة المسؤولين الماليين في جيه بي مورجان أن نحو 7 مليارات دولار من الغرامة من المرجح أن تكون قابلة للخصم من الضرائب، أي أنها بهذا تعامل بوصفها شكلاً من أشكال مصاريف العمل الضرورية والمعتادة. فقد تم فرض ضريبة على البنك بمعدل فعلي بلغ 31.3 % في الأشهر التسعة الأول من العام 2013، وفقاً لصحيفة وال ستريت، وهذا يعني ضمناً تخفيضاً ضريبياً بنحو 2.2 مليار دولار (وقد يكون أعلى من هذا في نهاية المطاف).
وبرغم إفلات جيه بي مورجان من ورطته الآن، فإن تحميل الموظفين الأفراد المسؤولية عن سلوكياتهم ما يزال خياراً واردا. ولكن لا ينبغي لأحد أن يتوقع الكثير. ذلك أن احتمالات إيقاف أي شخص عن العمل في هذه الصناعة ضئيلة، ومن المرجح أن يكون الأثر على الإدارة معدوما.
لقد بعث كيليهر برسالة قوية إلى هولدر، يحثه على الإفصاح الكامل عن كل التفاصيل ذات الصلة في القضية - وهناك العديد من هذه التفاصيل. ومن حق الأميركيين أن يطلعوا على هذه التفاصيل وأن يوصوا بها لممثليهم المنتخبين. ويخلص كيليهر إلى التالي: "إن العدالة المتساوية المكفولة للجميع من دون خوف أو محاباة هي الأساس الذي تقوم عليه ديمقراطيتنا، بل وبلادنا في واقع الأمر". ولكن من المؤسف أن وزارة العدل ما تزال تعتقد كما يبدو أن الشركات البالغة الضخامة تستحق معاملة خاصة.

*أستاذ في مدرسة سلون للإدارة في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا.
خاص بـ"الغد" بالتعاون مع بروجيكت سنديكيت.