المؤسسات المالية غير المصرفية.. ما لها وما عليها

إبراهيم شكري دبدوب*


لا شك أن الأزمة المالية العالمية قد كشفت اختلالات عميقة في النظام المالي العالمي والسياسات التنظيمية له.
وأظهرت أن المخاطر الحقيقية الكامنة فيه قد تجاوزت بكثير ما كان مقدراً له لدى المستثمرين والجهات الرقابية على حد سواء. واستدركنا لهذا القصر في فهم حقيقة المخاطر وكيفية إدارتها على نحو فعال، شرعت السلطات التنظيمية والمؤسسات الدولية عقب الأزمة بنقاش طويل لتطوير السياسات والاجراءات الرقابية، وبالفعل خرجت هذه النقاشات بعدد من المعايير والمتطلبات الجديدة على مستوى البنوك مثل المتطلبات الجديدة لبازل 3 وغيرها.
لكن هذا النقاش لا ينحصر فقط بالبنوك ودورها في النظام المالي العالمي (وبالتالي في ازمته).
فعلى خط مواز، شكلت المؤسسات المالية غير المصرفية مكوناً رئيسياً في النظام المالي، وعاملا فاعلا في الأزمة لذلك، يجري البحث اليوم على الساحة الدولية بالمعايير والاجراءات الرقابية التي يتوجب وضعها على المؤسسات المالية غير المصرفية لتنظيم نشاطها الذي يعرف بـ (Shadow Banking). هذا الموضوع كان محط نقاش دام اكثر من ستة اشهر بين اعضاء معهد التمويل الدولي، الذي يعد اكبر تجمع مصرفي ومالي في العالم. وقد خرجنا بالفعل بورقة عمل وتوصيات تشكل ما يشبه خريطة طريق لتحديد هذا النشاط وفهم طبيعته، والاهم، تحديد المخاطر الكامنة فيه وكيفية ادارتها.
إن المسألة الأساس هنا هي وضع آلية لكشف وتحديد المخاطر المباشرة وغير المباشرة المرتبطة بنشاط المؤسسات المالية غير المصرفية، وفي الوقت نفسه، الحفاظ على ما تقدمه هذه المؤسسات من قيمة للنظام المالي العالمي، لا سيما في ظل التشدد في المعايير الذي فرضته الأزمة على المؤسسات المصرفية.
ومن هذا المنطلق، خلصت النقاشات الى وضع اطار عمل للسياسات والاجراءات الرقابية لتنظيم نشاط المؤسسات المالية غير المصرفية، انطلاقاً من ثلاثة مرتكزات اساسية وهي: تعريف نشاط هذه المؤسسات وتحديده على وجه دقيق وخلق شبكة من المعلومات والبيانات حوله، تحديد نوع المخاطر التي يحملها هذا النشاط والتركيز على النظامية منها، واخيراً، وبعد تحديد هذه المخاطر، تحديد السياسات والاجراءات الاحترازية التي يتوجب اتخاذها لتنظيم نشاط هذه المؤسسات.
بداية، في تعريف نشاط هذه المؤسسات، لقد أثبتت الأزمة أن النظر الى كافة نشاطات المؤسسات المالية غير المصرفية من منظار واحد (كل ما هو غير مصرفي) قد خلق كثيراً من التشابك بين عمل هذه المؤسسات نفسها، وبينها وبين المصارف، وجعل من غير الممكن تحديد حجم النشاط التي تمارسه هذه المؤسسات ولا حتى طبيعته، وبالتالي كان من غير الممكن فهم المخاطر الكامنة فيه، وهو ما حد حقيقة من قدرة الجهات الرقابية على مرقبته وتنظيمه.
لذلك، يقترح معهد التمويل الدولي أن يركز تعريف نشاط هذه المؤسسات على تلك التي تحمل مخاطر نظامية قد تنعكس على النظام المالي عموماً. وفي هذا الاطار، وضع معهد التمويل الدولي سلسلة من المعايير لتحديد طبيعة نشاطات المؤسسات المالية غير المصرفية، ومدى انعكاس المخاطر التي تحملها على النظام ككل، والأهم، إلى أي حد يمكن كشف هذه المخاطر التي تحملها على النظام ككل، والأكثر أهمية، إلى أي حد يمكن كشف هذه المخاطر وفق الأطر الرقابية ومعايير الشفافية المعمول حالياً.
واخيراً، بالنسبة للسياسات والإجراءات الموحدة التي يتوجب على السلطات والجهات الرقابية اتخاذها لتنظيم هذه النشاطات، خلصت النقاشات الى مجموعة من الأدوات التي يمكن لصناع القرار والجهات الرقابية اعتمادها بحسب نوع المخاطر التي يحملها كل نشاط من نشاطات هذه المؤسسات، اقلها تحسين شروط الافصاح للمساهمين والمستثمرين والجهات الرقابية.
لقد عجزت الجهات الرقابية حول العالم بتنظيم نشاط المؤسسات المالية غير المصرفية لانها عجزت عن فهم طبيعته، رغم اهميته الكبيرة للنظام المالي. لطالما نظر الى المؤسسات المالية غير المصرفية من منظار مدى ارتباطها بالمصارف، اي ان السياسات المتخذة وادارة المخاطر على مستوى الجهات الرقابية والصناعة المالية عموماً، كانت دائماً ترتكز على مدى تأثر المصارف بنشاطات هذه المؤسسات، بدلاً من النظر اليها كنشاطات مستقلة او مساهمة في النظام المالي. ومن هذا المنطلق، وحتى عقب اندلاع الازمة، حاولت السلطات الرسمية معالجة الاختلال بالنظام المالي من خلال رفع المتطلبات المفروضة على البنوك، دون ان تشمل المؤسسات المالية من غير البنوك، ودون فهم ماهية نشاط هذه المؤسسات اصلاً، وهو ما سعينا في معهد التمويل الدولي الى القاء الضوء عليه.
ان هذا التشابك المطلق الذي كان قائماً بين نشاط البنوك ونشاط المؤسسات المالية غير المصرفية يعتبر في رأي احد المسببات الرئيسية اللازمة، لكونه أسهم باخفاء العديد من المخاطر النظامية في النظام المالي. لا شك ان رفع المتطلبات القانونية على البنوك وتعزيز الاجراءات الرقابية كان امراً ضرورياً ومطلوباً. لكن الظن ان ذلك كان لحماية النظام المالي هو مجرد وهم سيقودنا الى الحفرة نفسها.
باختصار، ما لم تبدأ السلطات والجهات الرقابية حول العالم بفصل هذا التشابك بين البنوك والمؤسسات المالية غير المصرفية، فسرعان ما سنكتشف اختلالات جديدة في النظام المالي، ولن يطول الوقت حتى نشهد ازمة جديدة.

اضافة اعلان


*الرئيس التنفيذي لمجموعة بنك الكويت الوطني