المضائق البحرية وأهميتها الاستراتيجية في مقابلة الطلب العالمي

مضيق البسفور في تركيا - (أرشيفية)
مضيق البسفور في تركيا - (أرشيفية)

لهب عطا عبدالوهاب *

عمان- يعد الأمن البحري واحداً من أكثر العوامل أهمية في أمن الطاقة في عالمنا اليوم لاسيما وان أكثر من نصف الانتاج العالمي من النفط يتم نقله عبر الناقلات والتي تصل إلى المستهلك النهائي عبر ما يسمى "نقاط الاختناق" Choke Points وهي "ممرات بحرية ضيقة يمكن ان تكون عرضة للانقطاعات لاسباب عديدة بما فيها القرصنة".اضافة اعلان
بيد ان مضيق هرمز – موضوع الدراسة – يعد أهمها على الاطلاق من الناحية الاستراتيجية.
مضيق هرمز /ملامح عامة
يعد مضيق هرمز الذي يقع بين سلطنة عمان وإيران والذي يربط الخليج العربي ببحر العرب، أحد أهم الممرات المائية الاستراتيجية في العالم، ويبلغ عرض المضيق 60 كيلومترا تعبره يوميا الناقلات النفطية العملاقة التي يزيد وزنها على 150 ألف طن، والتي تصل في ساعات الذروة إلى ناقلة واحدة كل 6 دقائق أي بمعدل يومي قدره 30 ناقلة. وتشير آخر البيانات المتاحة إلى تدفق أكثر من 17 مليون برميل يومياً عبر المضيق في نهاية العام 2011 مقارنة بـ 15.5 مليون برميل يومياً إلى 16 مليون برميل يومياً للأعوام 2009 و 2010.
ويمثل حجم النفط الذي عبر المضيق العام 2011 ما يعادل تقريباً 35 % من تجارة البترول البحرية، وهو يعادل كذلك 20 % من أجمالي التجارة البترولية في العالم. وتعد قارة آسيا الوجهة الجغرافية الرئيسة للنفط العابر من خلال المضيق إذ استأثرت بأكثر من 85 % من الصادرات البترولية، كان حصة الأسد فيها للأسواق النفطية في اليابان والصين والهند وكوريا الجنوبية.
غلق المضيق والبدائل المتاحة
ثمة مخاوف من قيام إيران بإغلاق مضيق هرمز أمام ناقلات النفط، وهو ما جعل دول الخليج العربي المصدرة للنفط تفكر جدياً في استخدام خطوط الأنابيب كبديل لذلك.
(1) المملكة العربية السعودية:
ان أحد الخطوط البديلة في حال غلق المضيق هو خط Petroline والمعروف أيضاً بشبكة أنابيب الشرق الغرب، وبطول  757 ميلا والذي يربط أبقيق في الشرق بميناء ينبع على البحر الأحمر وبطاقة استيعابية قدرها 5 ملايين برميل يومياً.
(2) الامارات العربية المتحدة:
انتهت الإمارات مؤخراً من تشغيل خط أنابيب لنقل النفط من حقول حبشان في إمارة أبوظبي الواقعة إلى غرب الخليج، إلى مرفأ الفجيرة على خليج عمان شرقاً دون المرور في مضيق هرمز وبطاقة تصل إلى 1.4 مليون برميل يومياً، يمكن زيادتها إلى 1.8 مليون برميل يومياً كحد أقصى، الأمر الذي سيتيح تصدير70 % من إنتاج الإمارات النفطي عبر الفجيرة دون المرور بمضيق هرمز كخطوة احترازية لمواجهة أي توقف مفاجئ في المضيق.
(3) العراق:
سيتحمل العراق بشكل كبير تداعيات إغلاق مضيق هرمز أمام الملاحة الدولية لاسيما وأن أكثر من 90 % من صادراته النفطية تتم عبر الخليج العربي. في المقابل فإن صادراته من المنافذ الشمالية (كركوك) عبر ميناء جيهان التركي على البحر الأبيض المتوسط لا تمثل سوى %10  من إجمالي صادراته النفطية.
وهناك محاولات لإعادة احياء عدد من الخطوط المعطلة منها خط بانياس على ساحل البحر المتوسط، بيد أن ما تشهده سورية اليوم من قلاقل تحول دون تحقيق ذلك في الوقت الراهن.
كما أن إعادة أحياء الخط الممتد إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر والتي تصل طاقته الاستيعابية إلى 1.650 مليون برميل يومياً والمغلق منذ غزو الكويت العام 1990، هو الآخر بعيد المنال حالياً لما يعتري العلاقات العراقية السعودية من فتور شديد.
ويستخدم العراق بشكل محدود أسطوله من الصهاريج لنقل النفط إلى الأردن والتي يمكن زيادة عديدها كأحد البدائل المتاحة في حال إغلاق المضيق أمام الملاحة الدولية. وهناك مذكرة تفاهم MOU بين البلدين لانشاء خط أنابيب يصل مدينة حديثة العراقية بميناء العقبة على البحر الاحمر وبطاقة تصديرية تصل الى مليون برميل يومياً ومن المؤمل ان يدخل الخدمة أواخر العام 2017.
(4) مد أنبوب نفط خليجي إلى موانئ اليمن: اعادت التهديدات الإيرانية بإغلاق مضيق هرمز، اعادت إلى الواجهة من جديد فكرة مد أنبوب نفط من الأراضي السعودية ودول خليجية إلى موانئ اليمن جنوباً لتأمين صادرات النفط الخليجية. ويستهدف المشروع المقترح مد خط أنابيب لمسافة تتراوح بين 350 و400 كيلومتر في منطقة الربع الخالي جنوب السعودية إلى ميناء المكلا في محافظة حضرموت.
الملاحظات الختامية
إن التهديد الإيراني بـ غلق المضيق والتي تلوح به إيران بين الفينة والآخرى، ينظر إليه البعض من المراقبين باعتباره "جعجعة" يراد منها كسب تأييد الجماهير الإيرانية. ومن الناحية العملية، فإن لدى إيران القدرة العسكرية على خلق قدر كبير من الاضطراب في مضيق هرمز وذلك على المدى القصير من خلال توظيف واستخدام الفرقاطات والزوارق الحربية الصغيرة ذات السرعة الفائقة والمزودة بالصواريخ بالإضافة إلى قدرتها على تلغيم الممرات ما يعوق الانسياب السلس للسفن العابرة، ما يعيد للاذهان "حرب الناقلات" التي اندلعت في منتصف الثمانينيات من القرن الماضي ابان ذروة الحرب العراقية – الإيرانية.
 بيد أن قدرة إيران على غلق المضيق لفترات زمنية طويلة لن يكتب لها النجاح لأسباب عدة، بالرغم من امتلاكها لثلاث غواصات روسية الصنع، منها التواجد الكثيف للأرمادا الأميركية في الخليج إذ يتخذ الأسطول الخامس الأميركي كما هو معروف من البحرين مقراً له، هذا ناهيك عن القواعد العسكرية المساندة في المنطقة كقاعدة عيديد الجوية في قطر (مقر القيادة المركزية الوسطى للولايات المتحدة CENTCOM).
إلى ذلك فإن غلق المضيق سيثير حفيظة حلفاء إيران الآسيويين لاسيما الصين العضو الدائم في مجلس الأمن والتي تعتمد بشكل كبير على وارداتها النفطية الإيرانية.
ومع تشديد دول الاتحاد الأوروبي من عقوباتها الاقتصادية على إيران لتطال  وارداتها من النفط الخام والمنتجات البتروكيماوية، على أمل ان تراعي إيران في مواجهتها مع الدول الكبرى بما في ذلك الاستجابة لرغبات المفتشين في وكالة الطاقة الذرية IEA مع إصرار إيران على أن برنامجها النووي مسخر بالكامل للأغراض السلمية ما سيدفع بإيران للبحث عن بدائل جغرافية آخرى، علماً بإن صادرات إيران إلى أوروبا لاتزيد على 450 ألف برميل يومياً أو ما يعادل أقل بقليل من 20 % من إجمالي صادراتها.
المحصلة النهائية: فإن تولي الاصلاحي حسن روحاني سدة الرئاسة في إيران منذ مطلع آب(أغسطس) الماضي خلفاً للرئيس المحافظ محمود أحمدي نجاد، ينبئ بحدوث انفراج في ملفها النووي ما يبعد شبح الحل العسكري في الوقت الحاضر، الامر الذي سيقلل من احتمال اقدام إيران بخطوة استفزازية بغلق المضيق، لاسيما وان محادثاتها مع دول (5+1) تشي باحراز تقدم نحو حل سلمي يرضي كافة الافرقاء وينسجم مع توصيات وكالة الطاقة الذرية.

*اقتصادي عراقي متخصص في شؤون الطاقة