النفط والغاز في دول الخليج: بين الاحتياطيات الوفيرة والتهديدات المحتملة

منشأة نفط قطرية في مياه الخليج العربي - (أرشيفية)
منشأة نفط قطرية في مياه الخليج العربي - (أرشيفية)

إعداد: لهب عطا عبدالوهاب*
خلافاً لما يشاع من أن ما هو متاح من الاحتياطيات النفطية في العالم يتراجع بشكل ملحوظ بعد انتهاء عصر الاكتشافات الكبيرة في خمسينيات وستينيات القرن الماضي وهو مايروج له انصار ما يعرف في ادبيات الطاقة بـ "نظرية ذروة النفط" peak oil theory إلا أن هذه النظرية أثبتت فشلها الذريع حين تبنى انصارها رؤية مفادها أن انتاج النفط بعد أن وصل ذروته في العقد الماضي سيأخذ منحى تراجعياً ليبلغ ادناه العام 2010 ثم يأخذ بعدها "بالنضوب".اضافة اعلان
ويعد الجيولوجي الأميركي king hubbert هو من وضع اللبنات الأولى لهذه النظرية العام 1956 الذي توقع أن يأخذ الانتاج الأميركي بالتراجع مطلع العام 1970.
إن المشاهدات التاريخية تكشف عن حقائق يمكن ايجازها على هذا النحو التالي:
أولاً: ارتفاع احتياطيات النفط والغاز في دول الخليج العربي
أفضت التطبيقات التقنية الحديثة لاسيما تقنية "الاستخلاص المحسن" enhanced oil recovery techniques  من رفع القدرة الانتاجية للآبار والمكامن النفطية المكتشفة سابقاً ما ادى إلى ارتفاع في الاحتياطيات المؤكدة proven oil reservesلتصل وفقاً للتقرير الاحصائي السنوي لعام 2013 والصادر عن شركة بي بي – والذي يعد من أكثر التقارير الاحصائية دقةً وشمولاً – إلى 493 مليار برميل أو ما يعادل 29.8 % من الاحتياطيات العالمية. إلا أن ما هو جدير بالاهتمام هو أن العمر الافتراضي للنفط reserves – production – ratio وهو مقياس لعمر النفط المتبقي بناء على معدلات الانتاج القائمة، يعد الأعلى في دول الخليج اذ يصل الى 65 عاماً في السعودية و80عاماً في الامارات وأكثر من 97 عاماً في الكويت.
أما احتياطياتها من الغاز الطبيعي فتعادل 20.2 % الاحتياطيات العالمية المؤكدة.
وهناك اهتمام متعاظم في دول الخليج العربية لوضع حد لظاهرة ما يعرف بالغاز المحروق flared gas  المصاحب لانتاج النفط associated gas .
وتعد دولة قطر من أهم دول العالم انتاجاً وتصديراً للغاز الطبيعي وهي تحتل المرتبة الثالثة عالمياً من حيث الاحتياطي بعد روسيا وإيران مباشرة كما تعد المصدر الأول في العالم للغاز الطبيعي المسال lng.
ثانياً: التعاون الخليجي
وينظر الى مشروع الغاز القطري المعروف بـ"مشروع دولفينdolphin project " كواحدة من أهم مشاريع التكامل الخليجي الرائدة، اذ ينقل الغاز من حقل رأس لفان في دولة قطر الى كل من الامارات العربية وسلطنة عمان، وبطاقة تصديرية تصل الى 3.2 مليار قدم مكعب يومياً.
وكان يؤمل أن يساهم هذا المشروع في ايصال الغاز كذلك الى كل من مملكة البحرين ودولة الكويت الا ان الخلافات السياسية حالت دون ذلك.
ولعل من أبرز تجليات التعاون الخليجي الطاقوي تجسده شبكة الربط الكهربائي الخليجي والتي أصبحت تغطي اليوم الدول الست الاعضاء في المجلس، والذي ينظر إليه كأحد المشاريع الرائدة للتكامل الاقتصادي وصولاً إلى الاتحاد الخليجي المنشود.
ثالثاً: الفرص والتحديات القائمة
ومن ابرز التحديات التي تواجهها الدول الخليجية النفطية هو ما يعرف بـ "ثورة النفط والغاز الصخريين" التي تشهدها الولايات المتحدة اليوم، والتي تحمل في طياتها تداعيات في غاية الاهمية، اذ يقيد "التقرير السنوي الصادر عن وكالة الطاقة الدولية عن مرئيات الطاقة لعام 2012 إلى ان إنتاج الولايات المتحدة من النفط سيتجاوز إنتاج السعودية بحلول عام 2017 كما انها، أي الولايات المتحدة، ستصبح مكتفية ذاتياً من الطاقة بحلول عام 2035.
إن هذه التوقعات ان صحت ستعني تقليل اعتماد وارداتها النفطية من دول الخليج العربية.
في المقابل؛ إن الاسواق الناشئة ستصبح الوجهة الرئيسية لصادرات الدول الخليجية لاسيما وان الاقتصادات الصاعدة في آسيا emerging economies تشهد زيادات مطردة في استهلاكها مع زيادة الدخول، اذ تعد الصين اليوم، على سبيل المثال، ثاني أكبر مستهلك للنفط في العالم بعد الولايات المتحدة وذلك في ظل الزيادة الكبيرة في أقتناء السيارات والمركبات الاخرى ما يزيد من طلبها على المشتقات النفطية لاسيما البنزين والديزل.
ومن الجدير بالذكر أن متوسط عدد السيارات لكل ألف نسمة لايزيد في الصين عن 22 سيارة وهو المعدل الذي كان سائداً في الولايات المتحدة مطلع القرن الماضي علماً أن متوسط عدد السيارات فيها اليوم يزيد عن 750 سيارة لكل ألف نسمة.
أما في دول الخليج العربية فإن متوسط عدد السيارات فيها يزيد عن 200 سيارة لكل الف نسمة نظراً للتسهيلات الائتمانية الكبيرة المرافقة لشراء السيارات التي توفرها البنوك من ناحية ناهيك عن ارتفاع متوسط الدخل الفردي فيها income per capita بالاضافة الى الاسعار المتدنية للمشتقات البترولية المدعومة من قبل الدولة والتي تشجع المواطنين على الاستهلاك المفرط غير العقلاني.
سياسات الولايات المتحدة:
هناك من يعتقد ان ادارة الرئيس اوباما في ولايتها الثانية ماضية قدماً في رسم استراتيجية جديدة للحد من وجودها في منطقة الشرق الاوسط بعد انسحابها من العراق وقرب سحب قواتها من أفغانستان (بحلول العام 2014).
ومن المفارقات التي تسترعي الانتباه هو "التهويل" في وسائل الاعلام عما ستفضي إليه ثورة الوقود الصخري من "انتهاء عصر" اعتماد الولايات المتحدة على وارداتها الخليجية لاسيما السعودية منها والتي تعادل 15 % من اجمالي الواردات الأميركية.
وقد اثبتت الوقائع "سذاجة" هذا الرأي حيث تحدثنا الارقام الاخيرة الصادرة عن إدارة معلومات الطاقة الامريكية الى زيادة الصادرات السعودية لتصل الى 1.359 مليون برميل يومياً العام 2012 مقابل 1.094 مليون برميل العام 2010، أي بزيادة قدرها 265 ألف برميل يومياً.
الزيادة في الانتاج العراقي
إن الزيادة الكبيرة التي يشهدها الانتاج العراقي حالياً والذي وصل مؤخرا 3.4 مليون برميل يومياً، وهو الاعلى له من العام 1979، ينظر إليه من قبل العديد من المراقبين كأحد العوامل التي يمكن ان تهدد الاستقرار في أسواق الطاقة العالمية، لاسيما وان العراق يخطط لزيادة انتاجه الى 12 مليون برميل يومياً بحلول العام 2017، وذلك وفقاً لجولات التراخيص التي تم توقيعها مع شركات النفط الاجنبية عامي 2009، 2010، ما قد يوجد تخمة نفطية في السوق تهوي بالاسعار الى مستويات تقل كثيراً عن مستوياتها الحالية البالغة في المتوسط 100 دولار للبرميل (مزيج خام برنت المرجعي) والذي ينظر إليه خليجياً باعتباره السعر الذي يحقق التعادل في موازناتها العامة الحكومية.
إن الزيادة الكبيرة في طاقات العراق الانتاجية والتصديرية قد تعيد النظر في حصص الانتاج داخل الاوبك والتي استثني منها العراق منذ العام 1990 بعد الغزو العراقي للكويت وما أعقبه من برنامج يعرف بـ "النفط مقابل الغذاء" باشراف الامم المتحدة. وكانت حصة العراق تاريخياً تعادل 14,5 % من أجمالي إنتاج أوبك البالغ حالياً 30 مليون برميل يومياً.
ووفقاً لهذه المعادلة فإن حصة (كوته) العراق ستصل إلى 4.350 مليون برميل يومياً، أي أن حصتها ستعادل تقريباً حصتي كل من الكويت والامارات العربية داخل المنظمة.
إن اعادة العراق للعمل بحصص الانتاج داخل المنظمة سيتأتي على حساب السعودية المنتج الاكبر داخل الاوبك، كما سيعزز من حالة الاستقطاب السائدة بين الصقور من ناحية (العراق وايران وفنزويلا) والحمائم (السعودية ودول الخليج الاخرى) لاسيما وان العلاقات السياسية القائمة حالياً بين دول الخليج والعراق يعتريها الكثير من البرود اذ تنظر هذه الدول الى حكومة "المالكي" باعتبارها حكومة سائرة في فلك نظام ولاية الفقيه في ايران.
غلق مضيق هرمز
ومن التحديات الاخرى التي لاتقل في اهميتها عن المتغيرات في موازين القوى الطاقوية، هو التلويح الايراني المستمر بغلق مضيق هرمز امام الملاحة الدولية ما يعرض الصادرات الخليجية لخطر حقيقي لاسيما وان 80 % من صادراتها تمر عبر هذا الممر.
ولم تأل دول الخليج جهداً في اتخاذ الاجراءات الاحترازية لمقابلة هذا التهديد يتجلى أبرزها بما قامت به دولة الامارات مؤخراً من افتتاح خط لنقل النفط من حقل جبشان الى امارة الفجيرة دون المرور بمضيق هرمز، علماً بان الطاقة الاستيعابية له تزيد على مليون برميل يومياً.
بيد ان هذا التهديد يبقى في نظر أصحاب الشأن أقرب  للاستهلاك والدعاية المحليين منه إلى تهديد حقيقي، وهو يأتي كرد للعقوبات الاقتصادية على خلفية ملفها النووي المثير للجدل.
إن غلق المضيق سيقابله رد عسكري غربي كاسح دون ادنى ريب اذ يعد خرقاً للقانون الدولي كما انه سيعني "انتحاراً" لايران من ناحية التي تعتمد على المضيق في أغلب صادراتها ووارداتها بالاضافة إلى انه سيثير حفيظة كل من روسيا والصين العضوين الدائميين في مجلس الامن واللتان تعدان من أشد أنصار النظام الايراني، إذ يلوح استخدامهما المستمر بحق النقض داخل المجلس إلى اجهاض العديد من القرارات التي يصدرها للحد من الترسانة النووية الايرانية المزعومة.
هذا ويأمل المجتمع الدولي أن يعمل الرئيس الإيراني المنتخب الجديد حسن روحاني، المشهود له بالاعتدال، التوصل إلى تسوية تاريخية مع مجموعة (5+1) التي تضم الدول الخمس الاعضاء الدائمة العضوية في مجلس الامن بالاضافة إلى ألمانيا – تجنب إيران والمنطقة أهوال الحرب.


*خبير في مجال النفط