تقنية التزييف العميق (2-2)

د. حمزة العكاليك
د. حمزة العكاليك
في أيلول الماضي ألقى الأمن في تركيا القبض على شخص حاول تقليد صوت الرئيس رجب طيب أردوغان مستخدما تقنيات الذكاء الاصطناعي، للنصب على رجال أعمال ومسؤولين حكوميين وحددت وكالة الاستخبارات الوطنية المعروفة مكان المتورط في تقليد صوت أردوغان، الذي حاول الاحتيال على رجال أعمال ومسؤولين حكوميين كبار من خلال تقليد صوت الرئيس التركي حيث قام المشتبه به بالاتصال بعدد من رجال الأعمال عبر 10 خطوط هاتفية مختلفة، تم شراؤها بأسماء أجانب، مستغلا تقليد صوت الرئيس التركي بتطبيقات الذكاء الاصطناعي، وطالبت السلطات المواطنين بتوخي الحيطة والحذر تجاه هذه المحاولات، التي تندرج ضمن نطاق الجرائم الإلكترونية. اضافة اعلان
هناك العديد من المشكلات الأخلاقية التي تسببها تقنية التزييف العميق مثل: التركيب البنيوي لتقنية التزييف العميق حيث تتمتع آليات تقنية التزييف العميق بالقدرة على إنشاء صور ومقاطع فيديو ومقاطع صوتية اصطناعية تحاكي موضوعات الحياة الواقعية بشكل وثيق. تعد الخوارزميات والشبكات العصبية وعمليات التعلم الآلي بمثابة الأساس لإنشاء التزييف العميق. بالإضافة إلى ذلك، يمتد تنوع التزييف العميق إلى تطبيقات مختلفة، بدءا من الترفيه والتعبير الفني وحتى الأغراض الأكثر إجراما. وتستخدم تقنية Deepfake في إنتاج الأفلام، وإنشاء مؤثرين افتراضيين، واستخدامها المحتمل في الدعاية السياسية وحملات التضليل.
علاوة على ذلك، تتسبب تقنية التزييف العميق في ظهور روايات مضللة في الحياة اليومية. ويتمتع محتوى Deepfake بالقدرة على التسلل إلى الحياة اليومية عبر وسائل التواصل الاجتماعي وتطبيقات المراسلة وقنوات الاتصال الأخرى. ومن خلال انتحال شخصيات عامة أو أصدقاء أو أفراد من العائلة، ويمكن استخدام التزييف العميق لنشر معلومات كاذبة وزرع الفتنة والتلاعب بالعلاقات بين الأشخاص. كما أن لهذه التكنولوجيا تأثيرا نفسيا ومجتمعيا مما يمنحها القدرة على التسبب في تآكل الثقة، وإثارة الشكوك، والمساهمة في الشعور العام بعدم اليقين. حيث تعد الآثار المجتمعية، بما في ذلك تآكل الحقيقة واحتمال شن حملات تضليل تعتمد على التزييف العميق، من التأثيرات الأخرى لهذه التكنولوجيا ففي وقت سابق من هذا العام، قام شخص في بكين باستخدام التقنية التي تعمل بالذكاء الاصطناعي، لانتحال شخصية صديق للضحية عبر مكالمة فيديو، طالبا منه مبلغا من المال، وقام الضحية بتحويل نحو 4.3 مليون يوان (614.8 ألف دولار) إلى المحتال، عبر حسابه المصرفي، وبعد اكتشافه للأمر قام بالاتصال بالشرطة.
بالإضافة إلى ما سبق، لا يشكل انتشار تقنية التزييف العميق تهديدا لحياة الأفراد والأمن القومي فحسب، بل يحمل أيضا عواقب اقتصادية عميقة. ويتسبب تأثير المحتوى المزيف العميق على اقتصادات البلدان في تحديات محددة تواجهها الشركات الرائدة، حيث أدت الوسائط الاصطناعية إلى زعزعة الاستقرار المالي وسمعة الشركة.
إحدى القضايا الحيوية هي الاحتيال المالي والاضطراب الاقتصادي: فالتداعيات الاقتصادية الناتجة عن الاحتيال المالي الناجم عن التزييف العميق من الممكن أن تؤدي إلى تهديد المركز المالي لهذه الشركات أو زعزعة الثقة في بنيانها المؤسسي. وكذلك يتم استكشاف حالات استخدام تقنية التزييف العميق للتلاعب بالأسواق المالية، أو نشر مؤشرات اقتصادية كاذبة، أو تنفيذ معاملات احتيالية.
إن احتمال حدوث اضطراب اقتصادي من خلال المحتوى الاصطناعي الذي يشوه المعلومات المالية هو مصدر قلق يلوح في الأفق. كما يعد التلاعب بسوق الأوراق المالية وثقة المستثمرين قضية أخرى مثيرة للقلق حيث يتم فحص تأثير محتوى التزييف العميق على أسواق الأسهم وثقة المستثمرين. 
كما يمكن استخدام تقنية التزييف العميق لإحداث ضرر بسمعة الشركات حيث يمكن استخدام المحتوى الاصطناعي لتشويه سمعة الشركات، مما يؤدي إلى تضاؤل ثقة المستهلك، وانخفاض قيمة الأسهم، وإلحاق الضرر بالعلامة التجارية على المدى الطويل. وهناك قضية حيوية أخرى من الممكن أن تؤثر عليها هذه التقنية وهي اضطرابات سلاسل التوريد: فالاستخدام المحتمل للتزييف العميق لتعطيل سلاسل التوريد العالمية ممكن لا بل حدث على المستوى العالمي. فحالات استخدام الوسائط الاصطناعية لنشر معلومات كاذبة حول جودة المنتجات أو سلامتها، مما يؤدي إلى ذعر المستهلك وتعطيل سلسلة التوريد.
وتمتد التداعيات الاقتصادية لهذه الاضطرابات إلى ما هو أبعد من الشركات الفردية لتؤثر على الصناعات بأكملها. ومن الآثار الاقتصادية الأخرى الحاسمة هي التجسس على الشركات والأسرار التجارية، حيث تم نشر التجسس على الشركات القائمة على التزييف العميق لسرقة الأسرار التجارية، والمساومة على معلومات الملكية، وتقويض القدرة التنافسية للشركات الرائدة على نطاق عالمي.
إن ظهور تقنية التزييف العميق يثير مخاوف قانونية وأخلاقية تتطلب اهتماما عاجلا. إلا أن هناك العديد من التعقيدات المحيطة بالمشهد القانوني والاعتبارات الأخلاقية المرتبطة بالمحتوى المزيف العميق والتي تتطلب تدابير إستراتيجية للحكومات للتعامل بفعالية مع هذا المشهد المتطور. أحد التحديات القانونية هو تحديد جرائم Deepfake ومحاكمتها. حيث يؤدي غياب أطر قانونية واضحة إلى خلق غموض في تحديد المسؤولية عن إنشاء ونشر المحتوى الاصطناعي المخادع؛ حيث تعجز القوانين الحالية عن معالجة الجرائم المتعلقة بالتزييف العميق.
بالإضافة إلى ذلك، غالبا ما يتضمن محتوى Deepfake الاستخدام غير المصرح به لأشكال الأفراد، مما يثير مخاوف عميقة بشأن الخصوصية. كذلك فإن للتزييف العميق تأثيرا على قوانين التشهير حيث يتم تشويه سمعة الأفراد من خلال المحتوى الذي تم التلاعب به، مما يتطلب فحص القيود المفروضة على الأطر القانونية القائمة في معالجة الطبيعة المتطورة لاغتيال الشخصية في العصر الرقمي. كما تطرح هذه التكنولوجيا تحديات للملكية الفكرية وحقوق الطبع والنشر بسبب الاستخدام غير المصرح به للمواد المحمية بحقوق الطبع والنشر في إنشاء محتوى اصطناعي، مما يسلط الضوء على الحاجة إلى قوانين لحقوق الطبع والنشر تتكيف وتعالج الطبيعة الدقيقة لتكنولوجيا التزييف العميق.
وبالتالي، فإن الضرر لم يعد محتملا وانما أصبح مؤكدا للأفراد والاقتصاد والمجتمع الناتج باستخدام التزييف العميق للتلاعب بالرأي العام، ويعد المساهمة في الوعي المتزايد بالآثار الأخلاقية للوسائط الاصطناعية أمرا ضروريا. لذلك، ينبغي جمع الحلول التكنولوجية والتعاون بين الحكومة والصناعة التكنولوجية للتخفيف من تأثير التزييف العميق وتطوير أدوات للكشف عن التزييف العميق ومنعه.
ومع تطور تقنية التزييف العميق، أصبح التأثير الاقتصادي على البلدان والشركات الرائدة واضحا بشكل متزايد. ولا يمكن التقليل من تأثيرها على الحياة اليومية.
إن التفاعل المعقد بين الابتكار التكنولوجي، والاعتبارات الأخلاقية، والاستجابات التنظيمية أمر ضروري لمعالجة التحديات التي تفرضها القوة الخادعة لتكنولوجيا التزييف العميق. ومن ثم، فإن الحاجة ملحة إلى الاعتراف بالتهديدات المتعددة الأوجه التي تشكلها تقنية التزييف العميق ومعالجتها، والدعوة إلى بذل جهود تعاونية بين الحكومات ومطوري التكنولوجيا وخبراء الأمن السيبراني لحماية الأفراد والدول من التأثير التخريبي للوسائط الاصطناعية. وعليه فإن النهج الإستراتيجي والتكيفي أمر حتمي.