رسوم المدارس الخاصة.. متوالية ارتفاعات إلى أين؟

طفل ينظر من نافذة باص مدرسة خاصة في منطقة مرج الحمام-( تصوير : ساهر قداره)
طفل ينظر من نافذة باص مدرسة خاصة في منطقة مرج الحمام-( تصوير : ساهر قداره)

مثقال عيسى مقطش

عمان - طفا على السطح الإعلامي خبر مفاده اعتصام أهالي طلاب أمام مدرسة خاصة رفضا لارتفاعات في رسوم المدرسة. والسؤال المنطقي: هل تواصل الجهات المختصة وقفتها الحيادية تجاه معضلة قرارات مدارس خاصة رفع رسومها بنسب متفاوتة، تراوحت بين 20 %- 50 % ألم يحن الوقت لاتخاذ قرار عملي وصارم تجاه مثل هذا الوضع، وما يرتبط به من نتائج سلبية على حياة الناس الاجتماعية والاقتصادية؟ أم ستواصل الجهات المختصة الاكتفاء بالقول: هذا قطاع استثماري خاص، والرقابة عليه تركز على الالتزام بالمناهج التعليمية والمتطلبات التربوية، وأن المدارس الحكومية مفتوحة لاستقبال من يرغب في نقل أبنائه إلى صفوفها؟!اضافة اعلان
من غير المستغرب أن نرى اعتصاما لأهالي طلبة أمام مدرسة أبنائهم رفضا لارتفاع الرسوم المدرسية. ولكن سيكون مستغربا أن تتوالى هذه التجمعات، وهذا متوقع، مع عدم اتخاذ الجهات المختصة قرارا منصفا لطرفي المعادلة، يضع حدا لهذه القصص التي لها انعكاسات على طبيعة علاقة الطلبة والأهالي بمدارسهم، والتي من المفروض أن تكون علاقة طيبة بنتائج إيجابية.
منذ العام الدراسي 2008 /2009، دأبت وزارة التربية والتعليم على تشكيل لجنة مشتركة مع نقابة التعليم الخاص، لدراسة وتحديد سقوف للأقساط طبقا لتصنيف المدارس، وذلك كخطوة مرحلية ريثما يتم إعداد نظام جديد للمؤسسات التربوية الخاصة. وواقع الحال أنه تمر الأعوام الدراسية فيما الوضع يراوح مكانه. وفي الشهرين الأخيرين من كل عام دراسي، تطفو على السطح مشكلة زيادة الأقساط المدرسية للعام الدراسي المقبل. ولكن هذا العام جاءت تصرفات بعض أولياء الأمور عفوية في منتصف العام، نتيجة التغيير في رسوم المدارس. إذ وقف أولياء الأمور أمام معادلة رياضية صعبة، وحالة نفسية محيّرة بين الإبقاء على الأبناء في الأجواء المدرسية التي اعتادوا عليها، وبين البحث لهم عن مقاعد بديلة في إحدى المدارس الحكومية.
وتشير الأرقام إلى تزايد ضغط أعداد الطلبة المنقولين إلى المدارس الحكومية في العامين الماضيين، وبأضعاف المتوسط المتعارف عليه قبل متوالية ارتفاعات تكاليف الحياة.
ويبدو أن القرارات الحكومية بتعويم أسعار المحروقات بدأت تلقي بظلالها على أسعار مواد وخدمات من ضمنها رسوم المدارس الخاصة، وهذا متوقع، رغم تفهم الجميع للدور الاستثماري الذي تلعبه هذه المدارس في خدمة قطاع التعليم ذي القداسة الخاصة.
إن المسؤولية المجتمعية والاقتصادية كبيرة على القطاع الخاص. والمرحلة الانتقالية التي يمر بها المجتمع المحلي والاقتصاد الوطني بكافة مظاهرها، وفي مقدمتها الفقر والبطالة وتلاشي الطبقة الوسطى، تتطلب إحساس كل مؤسسة خاصة بمسؤولياتها المجتمعية، وفي مقدمتها المؤسسات التعليمية والتربوية التي تقوم بمهمة في غاية الأهمية، وهي التعليم وبناء الأجيال.
ولا يختلف اثنان على أن عصر تحرير التجارة واقتصاد السوق المبني على المنافسة المفتوحة، بحاجة ماسة إلى تحقيق الاستفادة القصوى من استراتيجيات التسويق الحديثة، وتحقيق الهدف الأسمى المتمثل في رضى المستهلكين، بما ينعكس إيجابيا على العلاقة التكاملية بين رضى المستفيدين من العملية التربوية التعليمية وبين أساسيات وأهداف تسويقها اجتماعيا واقتصاديا. وبالتالي، فإن فلسفة الاستثمار في المؤسسات التعليمية يجب أن تخضع لمعايير مختلفة تماما عن تلك المطبقة في المجالات التجارية المختلفة، ما يتطلب الإبقاء عليها في أرقى حقول الممارسة الاقتصادية والاستثمارية.
غالبية الإحصاءات الرقمية التي أعلنتها الحكومة حول مستوى الحياة ومعدل التضخم، وغيرهما مما له علاقة مباشرة مع غلاء الأسعار وتراجع الدخل الحقيقي، لم يشف غليل المواطن، لأن الواقع الذي يعيشه يعكس تراجعا متسارعا في قدرته المالية على تغطية التزاماته، أو توفير الحد الأدنى لمتطلبات معيشته اليومية من دخل نقدي ثابت لكنه متآكل. وهناك اتفاق غير مسبوق بين كل من تبقى من فئة الطبقة المتوسطة، بأن أي إجراء اتخذته الحكومة أو وعدت باتخاذه لم يجد نفعا، طالما أن هناك تباطؤا في تدخل الحكومة باتجاه ضبط الكثير من المحاور الحياتية التي تتأثر مباشرة بقدرة الناس على استيعابها، وفي مقدمتها نفقات الصحة والتعليم. وتلقائيا، يخرج المواطن بخلاصة أنه لا يمكن تحقيق هذا المطلب، لأن المفاجآت السوقية متواصلة، والالتزامات تتراكم بفعل ارتفاعات الأسعار المرتبطة كليا بعامل رئيس، هو هدف الربح المتصاعد في خدمة التعليم الخاص. وكذلك بعامل تكميلي لاحق، هو انعكاس مثل هذه القرارات على منهجية الجهات الإشرافية، بحجة تزايد فاتورة التكاليف الإدارية والعمومية وغيرها.
خلاصة القول: إن احتجاج الناس على الأوضاع الاقتصادية لم يأت من فراغ، لا بل نما وتبلور على مدار أعوام وأشهر وأيام، فوصل الحال إلى مرحلة اللاقناعة بجدوى الإجراءات إذا لم تنعكس على حياة الناس اليومية، من خلال متابعة عملية ومباشرة من جهات الاختصاص لعلاقة تكاملية بين متطلبات الحياة وتكاليفها ومستوى الدخل، ومدى أحقية المواطن في الحصول على ثبات في مستوى رسوم المدارس الخاصة.