"إبراهيم الأبيض": إيقاع إخراجي صاخب يُخفي عيوب النص والأداء

"إبراهيم الأبيض": إيقاع إخراجي صاخب يُخفي عيوب النص والأداء
"إبراهيم الأبيض": إيقاع إخراجي صاخب يُخفي عيوب النص والأداء

دبي- يثير فيلم عباس أبوالحسن كاتباً ومروان حامد مخرجاً "ابراهيم الأبيض" حيرة مشاهده، فمن ناحية وبالشكل الفني الذي ظهر فيه "ابراهيم الأبيض" سيجد المشاهد نفسه خلال متابعته للفيلم أنه أمام فيلم متقن على صعيد الصورة؛ قصة محبوكة في شكلها الظاهري رغم عيوبها الدرامية العديدة، ومعارك مصورة بشكل يقطع الأنفاس ولا يثير الضحك كما جرت العادة في سينما الحركة العربية، وإيقاع سريع صاخب ولاهث لا يسمح للمشاهد بالتفكير في لا واقعية أو لا منطقية الشخصيات التي تتحرك على الشاشة أمامه، أو الأحداث التي تتكرر معاركها بأشكال مختلفة وفي كل مرة بعنف أكبر، أو تواضع مستوى أداء الممثلين.

اضافة اعلان

ومن ناحية أخرى سيجد ذات المشاهد نفسه بعد خروجه من الصالة أنه أمام أسئلة كثيرة حول اختيار الكاتب والمخرج لهذا الشكل المبالغ في عنفه لرواية قصة الحب التي تشكل العنوان الرئيسي لفيلم "إبراهيم الأبيض"، بدءاً من التساؤل عن البيئة المكانية والظرف الزماني الذي تجري فيهما وخلالهما أحداث الفيلم، وتسيل كل تلك الدماء، ويحدث هذا الكم الخرافي من العنف، ومروراً بالأسئلة التي تستفهم عن ماهية الشخصيات التي يشاهدها ومدى واقعيتها أو أسطوريتها، ونوعية القوانين والأعراف التي تنظم وتحكم العلاقات بينها، فتظهر مقاتلة شرسة لا تتورع عن الذبح لأقل سبب فيما بينها وكأنها تعيش في عالم أسطوري يأكل فيه البشر لحوم بعضهم بعضاً.

ثم وفي مشهد تالٍ تتصرف الشخصيات نفسها بمنتهى الواقعية وتحاول استرضاء مأموري الشرطة بذلّ يناقض كل عنفها السابق، فضلاً عن أسئلة أخرى تتناول قصة الحب من أول نظرة بين إبراهيم وحورية التي يقوم عليها الفيلم، وميلودرامية موقف اكتشاف حورية أن حبيبها إبراهيم هو نفسه قاتل والدها، واكتشاف إبراهيم أن حبيبته حورية هي ابنة الرجل الذي قتل أباه، والذي قام هو بقتله، وأن سبب تلك الجرائم هو الحب البريء الذي جمع بينهما في طفولتهما، وهو ما يحدث معهما في نهاية الفيلم حين يقتلان بسبب حبهما لبعضهما بعضاً، الأمر الذي يجعل من قصة الفيلم في جانبها الميلودرامي هذا مثيرة للضحك، فيما لو قدمت بغير الأسلوب الذي قدمت به.

في "إبراهيم الأبيض" يستعرض مروان حامد مهارته كمخرج حركة، فعلى عكس اهتمامه بالمحتوى الاجتماعي والسياسي والحالة الدرامية، وأداء الممثل، إن في فيلمه الأول القصير "لي.. لي" المأخوذ عن قصة يوسف إدريس "أكان لابد يا لي لي أن تضيئي النور"، أو في فيلمه الطويل الأول "عمارة يعقوبيان" المأخوذ عن رواية بنفس الاسم لعلاء الأسواني، ينشغل في "إبراهيم الأبيض" عن المحتوى الاجتماعي الذي تتيحه له بيئة مجتمع العشوائيات الغنية، ليستعرض مهاراته في تصوير المعارك والمطاردات والدماء النازفة والجرحى الكثر، ورسم بيئة غرائبية تقدّم كخلفية ساكنة غير متفاعلة أو فاعلة في الحدث تتحرك في مقدمتها شخصياته، ويستعيض عن النص المتقن درامياً في عمليه السابقين بضجيج بصري وسمعي وإيقاع لاهث يسرقان عين وأذن المشاهد ويمنعانه من محاكمة ومناقشة الحدث الذي يشاهده، ويستبدل الشخصيات الحية المصنوعة من لحم ودم وأحاسيس ومصالح ومنبت اجتماعي ومستوى ثقافي في "لي.. لي" و"عمارة يعقوبيان"، بمخلوقات أسطورية تخوض المعارك وتواجه المحن وتصاب بآلاف الطعنات، ثم تنهض وكأنها لم تمس، وبدلاً من مراقبة أداء الممثل وتوجيهه في كل جملة أو أي حالة، يترك مروان حامد لبطله أحمد السقا حرية تكرار الشخصية التي سبق ولعبها في أغلب أفلام الحركة التي أداها أخيراً، ولمحمود عبدالعزيز حرية استحضار بعض من مفردات شخصيته التي أداها في فيلم "القبطان"، ولعمرو واكد حرية اقتباس ملامح شخصية التابع من ثنائيات التمثيل العالمية، ولهند صبري حرية تقديم شخصية امرأة شعبية غير محددة الملامح.

لكن مروان حامد ورغم كل الملاحظات التي قد تقال أو تكتب عن فيلم "إبراهيم الأبيض" مخرج تحتاجه السينما العربية في النوع الذي قدمه، لكنها تحتاجه أكثر في أعمال مثل "لي..لي" و"عمارة يعقوبيان".