البحث عن الهوية المفقودة في "الأندلس"

لندن- يعد فيلم "الأندلس" Andalucia الذي عرض في مهرجان روتردام السينمائي الأخير، اكتشافا سينمائيا مدهشا ومفاجأة سارة بكل المقاييس.

اضافة اعلان

الفيلم من إخراج آلان جومي Alain Gomis، وهو مخرج فرنسي من أصل سنغالي، درس السينما في السوربون، ثم أخرج فيلما تسجيليا وعددا من الأفلام القصيرة قبل أن يخرج فيلمه الروائي الأول "لافرانس" (L'afranc 2001) الذي حقق نجاحا كبيرا لفت الأنظار إلى موهبته الكبيرة. و"الأندلس" هو فيلمه الروائي الثاني.

فيلم "الأندلس" ليس من تلك الأفلام التقليدية التي تروي قصة ذات محتوى درامي تسير إلى نهايتها الحتمية، فهو رغم بساطته الظاهرية، يعتمد على التعبير بمفردات السينما الشعرية، سينما التعبير المقتصد باللقطة المفردة، المباشرة والدخيلة، كما يعبر بالتكوين وحركة الكاميرا والألوان والموسيقى. ولا تتعاقب اللقطات فيه، لقطة بعد أخرى من أجل تحقيق التدفق القصصي.

هنا لا يوجد خط قصص درامي تقليدي، بل تنبع الإثارة والاهتمام من ذلك "الجو" الخاص الذي يخلقه المخرج- المؤلف حول الشخصية الرئيسية في فيلمه، معبرا عن احباطاته وبحثه الشاق عن التجانس مع ما يحيط به، وفشله في العثور على السكينة والسلام الداخلي، وتصاعد احساسه بالاغتراب عن المحيط، وتعمق شعوره بالوحشة والوحدة.

رفض المحيط

"الأندلس" فيلم من دون بناء قصصي تقليدي، عن شاب جزائري الأصل يعيش في باريس، على هامش المجتمع، لا يمكنه اقامة علاقة سوية من أسرته، شقيقه نموذج للمهاجر الذي استسلم لانعدام فرص العمل وأصبح يفضل العيش على الهامش والاستغراق في النوم إلى ما بعد الظهيرة، وشقيقته الكبرى تنهره وتعنفه وتطالبه بالبحث عن عمل أي شيء، وأقرانه الشباب يهيمون على وجوههم، يلجأ بعضهم إلى السرقة داخل "المترو"، ويواصلون البحث عن فرص وهمية لاقتناص اللحظة.

صديقه "عمار" يريده أن يقتفي آثر الآخرين في التحايل على ظروف الحياة ولو بالخروج على القانون، وصديق آخر يطلب منه الاشتراك معه في "العملية الأخيرة" التي قد توفر لهما فرصة نهائية للعيش.

لكن "ياسين" لا يرضخ لهذه الحلول السهلة العاجزة التي يجدها سخيفة ومتدنية وغير إنسانية، بل إنه يحاول ذات مرة الاستيلاء على دراجة نارية لشاب فرنسي، فيعتدي عليه بالضرب ويشرع في انتزاع الدراجة، إلا أنه سرعان ما يتراجع ويشعر بالتعاطف مع ضحيته فيرد إليه دراجته ويعتذر له عن الإساءة.

الحساسية الخاصة عند ياسين، تجعله يحاول أن يجد شيئا إيجابيا يفعله فيسندون إليه مهمة توزيع الطعام على المشردين والهائمين في برد الشتاء، لكنه "لا يريد أن يصبح الأم تيريزا" كما يقول. وبدلا من أداء العمل كما ينبغي، يجد نفسه أمام مظاهر البؤس الإنساني مندفعا لمضاعفة كمية الطعام للجميع، ثم يترك العمل ويلتحق بصديقيه اللذين يشعر بينهما بالسعادة.

الصديقان هما جبريل وموسى، مهاجران من السنغال يمتلئان بالثراء النفسي والحكمة والمعرفة. يحدثه أحدهما عن معنى السعادة، ويروي له قصة ذات دلالة عندما ذهب عدد من علماء الدين العرب لزيارة شيخ مسلم في بلدة بالسنغال وأخذوا يباركون له قدرته في الحفاظ على التقاليد الإسلامية، وعندما سألوه ما هو الشيء الأهم الذي يأتي قبل كل شيء في حياة الإنسان، فاجأهم عندما أجاب قائلا: الطعام.

فعادوا يستفسرون منه عن السبب، فقال: لأن الجائع لا يمكنه الاستجابة لأي شيء آخر، فعادوا يسألونه: وما الذي يأتي قبل الطعام، فقال: السلام الداخلي مع النفس، لأنه من دون سلام لا يصبح هناك طعم لأي شيء!.

 ياسين يبدو بعينيه الواسعتين المندهشتين مثل طفل يتطلع إلى الدنيا الواسعة من حوله، يحاول أن يعثر على ذاته فيها، يغشى كل الأماكن، يلتقي بشخصيات عديدة، يمر بتجارب متعددة مع الآخر: يقيم علاقة عاطفية عنيفة صاخبة مع "دنيا" وهي فتاة ساحرة من شيلي، لكنه سرعان ما يهجرها لأنه لا يجد ما يبحث عنه فيها.

يلتقي ذات يوم بامرأة فرنسية تسير وحدها ليلا في غابة بولونيا، تردد شعرا. يستوقفها، يسألها ماذا تفعل: تقول له إنها تؤلف قصيدة جديدة.

تصطحبه المرأة إلى مسكنها. هناك يجد رجلا يقرأ في كتاب، وطفلا صغيرا. تقول إن الرجل زوجها، والطفل ابنها. تصطحبه إلى داخل غرفة نومها. يتأمل مندهشا. تدلف به إلى غرفة الطفل.

في بهو المسكن يسأله زوجها ببساطة: هل ستبقى على الغداء. يحدق مندهشا في وجه الرجل، يرد بخشونة مفاجئة: كلا، ثم يغادر وسط لا مبالاة الزوج الذي لا يرفع عينيه عن الكتاب الذي في يده.

العجز عن التواصل

يجسد المشهد حالة العجز عن التواصل مع الآخر، والغربة التي تدفع ياسين إلى الجانب الآخر، البحث عن معنى للحياة أكثر عمقا من العلاقات العابرة أو الأعمال الوظيفية، حتى أنه يصل إلى حالة من "البارانويا" الكاملة.

إنه يحاول الحصول على دور صغير في فيلم فرنسي مع صديقيه من السنغال. لكنه يترك العمل عندما يكتشف أنه يتعين عليه القيام بدور يتناقض تماما مع طبيعته وتكوينه. في غرفته ليلا يدور ويلف ويرقص ويشير بإصبعه في المرآة، ويردد: أنا عربي.. أنا أسود.. أبيض.. أحمر.. أصفر.. أنا عربي حقيقي..

يحاول أن يفهم معنى أن تكون جزائريا أو مهاجرا عربيا في باريس، فيذهب إلى مهاجر من الرعيل الأول، يعمل في ورشة لإصلاح السيارات، يسأله: هل تحب هذه المهنة؟ يقول له الرجل إن لا شيء في العالم أحب إليه منها، لقد قضى 30 سنة وهو يشتغل بها. ياسين يحترم ما يقوله الرجل لكن دون أن يبدو عليه انه لا يفهم، أو أنه يستطيع أن يفهم هذا التوحد مع مهنة أصبحت هي الوطن.

يلتقي بين الفينة والأخرى برجل فرنسي، هو فيلسوف من فلاسفة الشارع، يعيش هائما على وجهه، يتبادل معه الحديث، يستمع إلى الحكمة منه، ويتعلم منه الفرق بين الأنواع المختلفة للموسيقى.

يقدمه الرجل ذات يوم لشاب إيطالي يروي كيف أنه فقد ذاكرته ذات يوم، وعندما أخذته الشرطة إلى طبيب نفسي لفحصه أخذ الطبيب يستجوبه. لم يعرف الرجل هويته الحقيقية لقد نسي كل شيء عن ماضيه، لكن الطبيب، كما يقول، كان يحتفظ بأوراق هويته، أي أنه يعرف من هو لكنه لا يعرف كيف يجيبه.

يهتم ياسين بمعرفة كيف كانت هذه الحالة من فقدان الذاكرة وهل لها علاقة بفقدان الهوية.

يقول له الإيطالي: "كان جسدي هو جسدي، لكني كنت أشعر أنني إنسان آخر. وكانت أقسى لحظة هي عندما كنت أتطلع إلى المرآة، فأجد نفسي هي نفسي، لكني أيضا شخص آخر".

إيقاع الفيلم يتصاعد مع جنوح ياسين إلى الفرار من الواقع ومن الهواجس المحيطة به، إلى حيث أشار إليه صديقه، أي إلى الأندلس.

هناك يجد نفسه وسط الجبال الخلابة، يسير كما لو كان يعرف الطريق والجميع يحدقون في وجهه بدهشة واستغرب شديدين، ويشيرون بأصابعهم نحو ما يطلقون عليه "الفرداية".

يصل ياسين إلى داخل متحف، ويتأمل اللوحات الضخمة القديمة المعلقة فوق الجدران فيجد وجها يشبه وجهه هو في الحقيقة وجه أحد ملوك العرب في الأندلس.

يندمج ياسين في الطبيعة لدرجة أنه يطير ويحلق عاليا بعد أن يصل إلى الإحساس الحقيقي بالحرية. لقد عثر أخيرا على مكان ينتمي إليه من دون حواجز.

عناصرالشكل

هذا الفيلم البديع المعبر المليء بالإشارات والمعاني يلخص تماما مقولة أن السينما الشعرية تستخدم عناصر الشكل وتجعلها فوق عناصر المعنى، وتصبح بالتالي هي التي تحدد مكونات الفيلم.

يستخدم آلان جوميه الرسم والموسيقى والتكوين وحركة الكاميرا والمونتاج الذي يخالف المنطق داخل المشهد، لكي يضعنا في بؤرة الحالة الذهنية والنفسية لبطله الباحث عن التحقق، والعاجز عن العثور عليه في ثقافة الآخر رغم معرفته بها.

إنه لا يجد نفسه مع المرأة الأخرى، ولا مع أسرته التي استسلمت للحل الأسهل (شقيقته تتردد على قس في الكنيسة ربما تمهيدا لتحولها)، ولا مع أصدقائه الذين يتعيشون على الفعل التعويضي فقط، وعلى الحلول المؤقتة.

الإيقاع العام للفيلم يشبه رقصة طويلة تتلوى بالألم، وهي تتكون من عدة حركات، تمهد للاندماج في الدنيا الأخرى، في الأندلس حيث يشعر ياسين بالانعتاق والتحرر أخيرا.

الأداء

فيلم "الأندلس" أيضا يعتمد على الأداء المتميز الخاص جدا للممثل الفرنسي الجزائري سمير قصمي الذي يحمل الفيلم بأسره على كتفيه، ويقوم بدور ياسين كما لو كان قد عاش طيلة حياته في انتظاره.

إنه يعبر بعينيه الواسعتين عن الدهشة والقلق والرفض، كما يعبر بجسده النحيل، عن الألم، وخاصة في مشاهد الرقص، يتطلع أحيانا في رعب، يقترب من الأشياء لدرجة الخطورة ولكن سرعان ما يفر منها، يبحث دون جدوى، يسأل ويستمع، يحتفظ بمساحة مع الآخرين من ابناء جلدته الذين لا يملكون خيالا مثله، لكنه يذوب وسط أصدقائه.

هذا فيلم مختلف تماما عن كل ما سبقه من أفلام عن المهاجرين العرب في فرنسا. إنه ليس تقريرا اجتماعيا سياسيا عن أوضاع المهاجرين، وهو لا يبرر ولا يؤطر ولا يدين أحدا أو يمتدح أحدا آخر، بل يجسد فقط حالة الاغتراب الوجودي عند شاب شديد الذكاء، لديه من الطموح ما قد يمكنه من الحصول على الكثير إذا أراد، لكنه كـ"حالة ذهنية" خاصة جدا، يرفض الانصياع للواقع والبقاء على الهامش بل يظل دائما يطرح تساؤلات لا يملك إجابات عنها، بل وربما تكون أكبر منه أيضا.

هل عثر ياسين على الإجابة عن الأسئلة التي تشغله في أرض الأندلس؟ ربما فمن يدري.