‘‘الحب في زمن الحرب‘‘: المحبة ‘‘لاجئة‘‘ بانتظار العودة لوطنها وأصالتها

جانب من مسرحية "الحب في زمن الحرب (أن تكون عنترة)" - (من المصدر)
جانب من مسرحية "الحب في زمن الحرب (أن تكون عنترة)" - (من المصدر)

سوسن مكحل

عمان- طرحت مسرحية "الحب في زمن الحرب (أن تكون عنترة)" للمخرجة الدكتورة مجد القصص والمستمرة في عروضها حتى العاشر من الشهر الحالي على خشبة مسرح هاني صنوبر بالمركز الثقافي الملكي؛ اعلاءً لشأن الحب في ظل ما تمر به الساحة العربية من اقتتال عبر الرجوع بخلفية طويلة إلى مركز إيواء اللاجئين حتى شخصية عنترة الباحث عن حبيبته "عبلة" في ظل هذا الزمن.
النص الذي كتبه مفلح العدوان وأخرجته سينوغرافيا وكيوغرافيا الدكتورة مجد القصص استطاع أن يصل إلى الجمهور برسائله الكثيرة والمتشعبية في بقعة واحدة تجمع كل تلك الشخوص بحوارات تظهر ما بدواخلهم من تعصب وتطرف، وقفت حائلا دون إتمام كل قصص الحب إذعاناً للدم والقتل والدمار.
خلال المشاهد الأولى يظهر عنترة الشباب المتكرر في كل الشخصيات الأخرى، وهو يبحث عن "المحبة" باسم محبوبته عبلة؛ وسط تلك الخيبات التي جسدت على الخشبة من ثنائيات فرقها الدين أو المجتمع أو الحروب وغيرها من قصص منسوجة من الواقع.
توظيف المخرجة للحكايات هي رؤية إخراجية عادة ما تقتنيها القصص في رؤيتها من إيقاعات وأصوات وصور بصرية موسيقية وراقصة، تعتمد فيها على فيزيائية الجسد، وتجذب عين المشاهد بقوة لافتة، لا توقعه بأي نوع من الملل؛ وهو توظيف لائم العمل التجريبي الذي تنوع بين العامية والفصحى بتقريب تلك الحكايات إلى الجمهور.
ولا بد من عدم إغفال ما احتواه العمل من أغنيات ذهبت لمنحى متصوّف بفقرة مشهد الصوفيّ المطالب بالحب وترفضه حبيبته، فيتغنى بأشعار إبن الفارض وجلال الدين الرومي وغيره، عبر حلقات "الدراويش" والمتعارف عليها صوفياً.
الغناء كان خلال العمل بأصوات مميزة للفنانين أصحاب الحنجرتين الصافيتين يوسف كيوان ونبيل سمور المشاركين بالتمثيل إلى جانب كل من؛ موسى السطري، ومحمد عوض (كيمو) وعهود الزيود، ودلال فياض، طارق زياد، رسمية عبده، نهى سمارة، زين الشنيكات، مدرب ايقاعات محمد طه، مدربة رقص اني قرة ليان، ومصمم إضاءة فراس المصري، ومنفذ صوت خالد الخلايلة.
البقعة كما تقول المسرحية أكبر من "مركز" يؤوي اللاجئين؛ إنها الأرض العربية بما رحبت، والتي دفعها قلة الحب وربما التعنت وفقدان القيم التي تجمع وتأجيج كل ما يفرّق الى الحروب الدموية والتي تمتص المحبة من أروقة الشوارع والأماكن وتدخل بين كل عاشق وعشيقته لتفرق بينهما بسبب وأحيانا دون سبب، وتجعل تلك "المحبة" لاجئة كما اللاجئ في محطة الإيواء وهو لا يدري عودة إلى الوطن أم نفي أبديّ عن أصالته وموطنه ومكانته.
شخصية عنترة التي استحضرها الكاتب العدوان، قدمتها المخرجة بصرياً وايقاعياً بشكل جميل؛ وهي ثمرة تعاون بينها وبين العدوان عبر عصف ذهني وجلسات اتفقا فيها على الخطوط العريضة لبناء حب في زمن الحرب على كل معاني الجمال.
عذابات المحبين التي شاهدها وسمعها الحضور، كافية لزرع وبث قيّم المحبة وإعلاء شأنها وأصالتها ومكانتها بين العرب منذ الأزل، إضافة إلى تشريع المحبة في الديانات جميعها. وعقب العمل بسخرية من معاناة الشارع العربي الراهن بعد الربيع العربي وكيف تم تأجيج الصراعات لصالح الكره والاقتتال ونبذ الآخر، محاولا النهوض بالمعاني والقيم التي تقدم عكس تلك المرارة التي يرزح تحت وطأتها الملايين من الشعوب العربية.
ويحاول العمل ايجاد مساحة توازن في ظل الفوضى، بزرع المحبة بين البشر والتوجه لهذه العصا السحرية التي يختتم بها العمل والتي تعتبر منفذا لتحقيق الهدف المنشود في استمرار الحياة بجمالية أكثر وإبداع يطول.
سينوغرافيا العمل من أداء كان متقنا بشكل جماعي، خصوصا باستخدام الإيقاع والنقر، تبقى المسرحية التي استمرت على نحو ساعة كاملة مميزة بعيدة عن الجمود يتخللها فرح بالتعبير والأمل رغم اتشاحها بألوان الواقع المرير؛ بعض المشاهد كان فيها الأداء الصوتي غير موفق بصراخ يعقبه هدوء وصوت منخفض لم تؤثر بشكل كبير على العرض، إلا أنه كان مزعجاً بعض الأحيان، إضافة إلى الإضاءة التي بدت معتمة جدا خلال العمل.
المخرجة القصص تقول إن العمل ينتمي إلى المسرح التجريبي، إذ أن التجريب الأول في هذا العمل كان على نص المسرحية.
وأضافت أنها حولت بعضا منه من خلال أدوات الإخراج المتعددة إلى صور بصرية وموسيقية وأخرى راقصة، مثلما تم العمل على تشظية الحوارات بين الشخصيات، موضحة "لاعتقادي ان الكل يعرف مأساة الكل"، مثلما تم تحويل بعض المشاهد، وتحديدا المشاهد العاطفية بين المحبين، إلى اللهجة العامية لتقريبها من الجمهور.
وبينت القصص أن استخدام الإيقاعات اعتمد على أدوات غير تقليدية مع مفردة الديكور الوحيدة وهي المكعبات، ليصبح الإيقاع مفردة رئيسة فيه، إلى جانب مفردة الغناء الحي واستخدام أغان مألوفة للجمهور، وإعادة إنتاجها لتحقيق ما يسمى "الغروتيسك" في المسرح الذي يعتمد على تشويه الواقع لإعادة قراءته قبولا أو رفضا.
ولفتت إلى أنها استخدمت مفردة المشي على تعدد أشكالها، مفردة رئيسة بهذا العرض بحركات مسبقة التصميم، كما هي الحال في البالية، وبعض أنماط الرقص الحديث، أو باعتماد الحركات اليومية الاعتيادية والتجريدية ومسرحتها، أو حركة الممثلين القائمة على ارتجالهم الموجه إخراجيا، ثم التجريب على مزج هذه العناصر الحركية معا، بالإضافة إلى التجريب على التشكيل بالفضاء المسرحي من خلال تحولات قطع الديكور إلى شواهد حقيقية ونفسية كبيرة وصغيرة، ثابتة ومتحركة.
وأشارت القصص إلى أن الممثلين خضعوا لتدريبات من مختصين حرفيين في كل مجالات الرقص الحديث وضبط الإيقاع وعدم حصر وحدة الإيقاع في أدوات العزف، بل عملت على تجاوز ذلك إلى تحقيق ربط وحدة الإيقاع بأجساد الممثلين، بالإضافة إلى الحوار المكثف، حيث يقوم كل ممثل بتمثيل شخصيته المرسومة ثم كسرها باللا مألوف للوصول إلى التغريب.
 وأضافت حول عملها الجديد "كلي أمل أن تتسع صدور الجميع لمحاولاتنا طرح الجديد في الشكل والمضمون لأنني ما أزال اقتنع بأن المسرح سيندثر بدون التجريب".

اضافة اعلان

[email protected]