"الوهراني" فيلم يروي ما قبل وبعد الثورة وما بينهما

مشهد من "الوهراني"- (أرشيفية)
مشهد من "الوهراني"- (أرشيفية)

إسراء الردايدة

أبوظبي-  فيلم "الوهراني"، من وحي أحداث تاريخية مفتعلة ترتبط زمنيا بسنوات الثورة الجزائرية وما بعدها، وسط سخرية واضحة وبين أهداف الثورة وتاريخها وبين آثارها ومكاسبها الحقيقية، يطل هذا العمل بذكاء وخفة ليطرح أفكاره بجرأة.
العمل بتوقيع المخرج الياس سالم الذي نال جائزة أفضل مخرج في العالم العربي، ضمن فعاليات الدورة الثامنة لمهرجان أبوظبي السينمائي الذي أقيم الشهر الماضي، وكل ممثل وشخصية ترتبط بالزمن الذي تمثله وبطبيعة العلاقة التي تجمع الأصدقاء الثلاثة، حيث اختيروا بذكاء ويصلون الماضي بالحاضر كرمز وواقع.
أحداث الفيلم تنطلق من رحلة هروب في السيارة لتهريب رجل متنكر بزي امرأة، وسط خوف من انتشار الجنود الفرنسيين على قارعة الطريق الجبلي، فيما يقود السيارة "حميد" ويؤدي دوره الممثل خالد بني عيسى وبجانبه صديقه جعفر ويؤدي دوره الياس سالم.
الهروب من الكمين وما يتبعه من مشاهد تظهر الانخراط في الثورة وانتهاء الثورة؛ حيث أصبح كل واحد منهم يمثل رمزا وله مسلك مختلف، فحميد بات من رجال السياسة والحكم، فيما جعفر يمثل الرجل الثوري والجندي الشجاع وحامي الثوار، ولكل منهما منصب، أما فريد فهو المثقف الذي حمل نظرة مختلفة تخلو من المصالح.
أحداث الفيلم التي بنيت على الخيال وصورت كل مشاهدها في حقبة زمنية متنقلة بين الخمسينيات والستينيات وصولا للثمانينيات من القرن الماضي، تواكبها الأزياء والبيئة المحيطة في مدينة وهران، ومنها ترتبط هذه الشخصيات الثلاث بما يأتي لاحقا وانعكاس علاقتها الثلاثية على ما تمثله الثورة والمجتمع.
كما ويصور الفيلم الطريقة التي تتأزم فيها علاقتهم ومبادئهم التي تتعارض مع فكرة "الثورة" لينتهي بهم المطاف نهاية مأساوية.
ولأن كل شخصية تلعب دورا مهما، فيأتي أداء جعفر الذي يمثل الوطنية والرغبة بالاستقلالية والنهوض بالإنتاجية من خلال مصنع للخشب يديره، وأحلام تتعلق بتلبية طلبات أجنبية للخشب الفريد، مقابل شخصية حميد الذي يجسد السياسي والمكاسب التي يحصدها والصفقات التي يقوم بها تحت لواء "قضيته"، وفريد المثقف الذي تلقى تعليمه بأحسن المعاهد العالمية، يكتشف عالما مختلفا عن الذي يظنه وتتعارض مفاهيمه النقية بالحرية والثورة والدولة بما يراه من فساد وشجع ورياء على حساب المصلحة العامة.
ولكل شيء معناه في الفيلم، فبعد عودة جعفر الذي لقب بـ"الوهراني" من القتال يجد أن زوجته قد ماتت بعد تعرضها للاغتصاب وولدت له طفلا يحمل اسم "بشير"، فيما اختصر اسم جعفر بـ"جيف" في إشارة للتحول في المفاهيم والمصالح والانتماء، فضلا عن ذلك الصراع في تحديد الهوية والانغماس في المنفعة الخاصة.
ولاحقا تظهر أيضا الإحاطة بالرمزية التي تتخذ موضعها في تفاصيل أخرى مثل تغير العلاقة بين الأصدقاء الثلاثة؛ حيث تتحول الصداقة إلى علاقة مصلحة بين جعفر وحميد، في إدارة المصالح التي تتعلق بالوطن على أنها عمل خاص.
تلك الرمزية تؤكد أن الثورة اختلفت أهدافها وهيمن الفساد عليها، وأن البعض ما يزال أسيرا للمفاهيم الفرنسية وحتى المصالح والولاء، حتى في التفاصيل في ربط الصور والأحداث والمحيط، يبرز الصراع من أجل اللغة والهوية والتعريب، التي حضرت في مشهد طلب بعض العمال في مصنع الخشب بالتحدث باللهجة الجزائرية العربية، والمطالبة بتعريب بعض المصطلحات الميكانيكية المصنعية، حتى تلك التي ترتبط بالحياة اليومية.
وفي نمط حياة حميد في قصره الفاره وغرفه الكبيرة، يسيطر الطابع الفرنسي الأبيض والأناقة والهدوء، كما أن الفرنسية لغة التواصل بينه وبين أبنائه وزوجته.
"الوهراني"، عمل مترابط، ذو حس عال بالسخرية الحزينة التي تربط بين زمنين مختلفين ولو بوحي أحداث خيالية، لكنها تلامس الواقع بجديتها، لدرجة تجعل من الصعب مقاومة فلسفتها ودراميتها وسط كل النتائج التي ما تزال قائمة في مشاهد ودلالات واضحة.
ويبقى القول إن الطريقة السردية والخيال في اختلاق أحداث ترتبط بحدث تاريخي، لعبا دورا مهما في تمرير هذه الرسائل والرموز بدون خطاب مباشر أو إغداق وملل، وسط الأداء الرائع للممثلين وحتى المساحة المحيطة التي ارتبطت بالمكان والزمان والانتقال الذكي بدون ملل في فيلم تتجاوز مدته الساعتين، والقدرة على قراءة الواقع من خلال العلاقات الإنسانية ومناقشة هذا الكم من القضايا بدون منح العمل أي صبغة معينة بين دينية أو ثورية سياسية أو حتى تاريخية.
ويترك الفيلم تساؤلات عديدة للمتلقي، بين هل فعلا انتصرت  تلك الثورة في بلد المليون شهيد، وهل الهيمنة الفرنسية فعلا غادرت الساحة منذ تلك الأعوام، وما المصلحة العامة مقابل تلك التي ترتبط بالخاصة لمن يعتلي المناصب، وطبيعة ومسألة الهوية والانتماء في بلد شهد صراعات ونزاعات داخلية وخارجية ما تزال ملموسة حتى اليوم.

اضافة اعلان

[email protected]

@Israalradaydeh