جول فيرن.. من كاتب شعبي الى رائد في ادب الخيال

في فيلم وثائقي عرضته دارة الفنون

 

مريم نصر

  عرض في مؤسسة خالد شومان- دارة الفنون مساء اول من امس فيلم وثائقي حول رائد أدب الخيال الكاتب الفرنسي جول فيرن الذي ولد في نانت بفرنسا عام 1828م  وذلك بمناسبة مرور مائة عام على وفاته.

اضافة اعلان

  ويتتبع الفيلم على مدار 45 دقيقة الاثر الذي تركه فيرن في الادب والعلوم، فهو من خلال رواياته تنبأ بالعديد من الاختراعات والتطورات العلمية، وكان شخصية استثنائية، نجح في كتابة 65 رواية خيالية وجعل جميع أبطاله يتجولون عبر العالم وفي الفضاء الكوني، وفي باطن الارض، وقاع البحار والمحيطات، رغم أنه لم يقم شخصيا سوى برحلة الى الولايات المتحدة وبجولة في البحر الابيض المتوسط على متن سفينة.

  الفيلم دار بشكل اساسي حول روايته الشهيرة "20 الف فرسخ تحت الماء" التي كانت تتناول مغامرات الكابتن نيمو في غواصة ناوتيليوس رغم أن الغواصة لم تكن قد اخترعت بعد. و في هذه الرواية نجد للمرة الأولى في كتب الخيال العلمي البطل صاحب القوة والمهارات الاستثنائية على غرار "سوبرمان" في أيامنا هذه اما الغواصة التى بناها القبطان لنفسه فهي شبيهة بالغواصات الحديثة. وبين الفيلم الوثائقي ان أول غواصة كهربائية أنزلت الى الماء كانت عام 1886 حملت اسم "ناوتيليوس" إحياءً لذكرى الغواصة الاسطورية. كما اطلق نفس الاسم على أول غواصة نووية صنعت عام 1955.

  وتخيل فيرن من خلال روايته هذه عالم ما تحت البحار والمخلوقات التي تعيش فيه، وكان خياله قريبا جدا من الواقع رغم الانتقادات التي وجهها العلماء له لما ورد من معلومات علمية في كتبه، ولكن تقدم العلم برهن على صحة الكثير من تنبؤاته وتكهناته العلمية، التي بدت كأنها وليدة الخيال في ذلك الحين. فهو لم  يكن عالما مطلعا على أسرار العلم ولم يكن لديه الميل نحو سبر أغوار المعرفة العلمية، كما أنه لم يكن رحالة يروي في كتبه ما حدث له في ارض الواقع، بل كان محاميا، درس القانون في باريس واستعد لخلافة ابيه في مكتب المحاماة. الا ان عمه عرفه على الاوساط الادبية فأعجب بالكاتب الامريكي "ايدغار الان بو" الذى ترجمت مؤلفاته الى الفرنسية وبدأ يكتب بدوره تحت تاثير ذلك الكاتب.

  وكتب جول فيرن عددا من أكثر الروايات شهرة من بينها: "حول العالم في ثمانين يوما" و"عشرون ألف فرسخ تحت الماء "وغيرها من العناوين التي ترسخت في الذاكرة الجماعية العالمية، وأصبحت جزءاً من التراث الأدبي الإنساني وكان جول فيرن صرح مرة لصحافي بريطاني بمرارة وهو في الخامسة والستين من العمر، أي بعد كتابته لغالبية أعماله: إن أشد ما يحز في نفسي هو أن لا أحد يعترف بي في الأدب الفرنسي.

  إلا أن صورة جول فيرن تغيرت كثيراً مع مرور الأعوام. فمن كاتب شعبي محصور في خانة الأدب المدرسي تحول ابتداء من عام 1955، أي بعد خمسين عاما على وفاته، إلى اسم أدبي له مكانته المتميزة في خارطة الأدب الفرنسي.

  نشرت عدة دراسات وأبحاث أعادت له الاعتبار وتعاملت مع نصوصه عبر آليات نقدية وجمالية جديدة، أسس لها منذ تلك الفترة الكاتب ميشال بيتور من خلال دراسة لافتة حللت رمزية الشخصية (الفيرنية) وأبعادها الثقافية المتشعبة، ورصد اندريه بروتون ريادة الرؤى الحلمية السوريالية في أعماله، اما رولان بارت فأشاد بالبعد الغرائبي الخلاق في أعماله.   وحاليا يتوفر كم هائل من الأبحاث والدراسات التي ألمت بمختلف أعمال جول فيرن ونبشت في سيرة حياته وعلاقاته مع ناشره بيار جول هيتزيل، الذي كان له دور كبير في مسيرته الأدبية.

 

  وكان فيرن عبر رواياته يزاوج بين الواقعي الصرف والخيال الجامح، محلقا في عوالم ساحرة تحت الأرض كما في السماء، مرفقة برسوم مذهلة ساهمت لاحقاً في ازدهار فن الملصقات وتقنية الكولاج.

  ويقول الفيلسوف ميشال سير عن علاقة جول فيرن بالعلم والثقافة انها علاقة لا تزال تحتفظ براهنيتها في السياق الحالي. ذلك أن فيرن فتح دربا جديدا تكامل فيه العالِم والأديب واتحدا معا لتخيل اختراعات جديدة ما لبثت أن تحققت مع مرور السنين.

  وتسعى دارة الفنون من خلال هذه العروض إلى إيجاد مساحات أخرى لتذوق الفنون والآداب من خلال السينما، حيث يأتي هذا الفيلم ضمن فعاليات ونشاطات معرض آثار الأردن (لقاءات في الماضي: كنوز للمستقبل) الذي افتتح في دارة الفنون بالتعاون مع رئاسة الاتحاد الأوروبي في الأردن ويستمر حتى السابع عشر من هذا الشهر.